المقالات

السفير عبد الله الأزرق يكتب: لندن (5)

الخرطوم | تسامح نيوز

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (42)

لندنلندن (5)

كما يفعل كل سفير جديد، حرصتُ على خلق شبكة علاقات بلندن من أهل البلد.
فتعرفت على من بقي حيّاً من إداريي الفترة الاستعمارية الذين عملوا بالسودانبالسودان.
كانوا كلهم في العقد الثامن من أعمارهم، لكنهم يتمتعون بذاكرة متقدة، ويتحدثون بحبٍ عن السودان؛ ومنهم من قال لي: إن أمتع فترات عُمُرِه هي الفترة التي عمل فيها في السودان.
وأقمت لهم مأدبتين في مقر إقامتي في مرتين متباعدتين وحضروا مع زوجاتهم. وفيهم من كتب مذكراته وأهدانيها.

والتقيت بسيدة منصفة وهي دكتورة سارة بنتليانو Sara Pantuliano، مديرة معهد التنمية لما وراء البحار Overseas Development Institute، التي أمضت جزءاً من حياتها باحثةً في شرق السودان. ومن طرائف ما روته لي: أنها تزوجت هناك وأن مهرها كان جملاً!!!
وبعد التعرف عليها دعوتها لوجبة في المنزل؛ وأثناء الوجبة علقت على ابنها قائلة: إنه لا يأكل هذا القدر في المنزل؛ وكان الفتى يأكل في طبيخ (النعيمية بالكِسرة) بشهية؛ فرد عليها قائلاً: لأنك لا تطبخين أكلاً شهياً كهذا!!!
وحين زار باقان آموم القيادي في الحركة الشعبية لندن، نظم له المركز الملكي للدراسات الاستراتيجية، المشهور بتشاؤم هاوس Chatham House محاضرةً.
وقد اشتُهر تشاتم هاوس بقواعد Chatham House Rules في الندوات والحوارات اكتسبت شهرة عالمية، وأصبحت كثير من الجهات حول العالم تعمل بها.
تنص تلك القواعد على الآتي:
‏ When a meeting, or part thereof, is held under the Chatham House Rule, participants are free to use the information received, but neither the identity nor the affiliation of the speaker(s), nor that of any other participant, may be revealed.

كما نظم معهد التنمية لما وراء البحار (ODI) محاضرةً نفس اليوم لباقان آموم .
كان ذلك في أول مايو 2012.. أي بعد انفصال الجنوب؛ ولكن باقان آموم لم يتخلَّ عن كراهيته للسودان؛ وهو المشهور بعبارته:
“ارتحنا من عَفَن الخرطوم”!!!
وفي محاضرته في تشاتم هاوس لم يستبق مذمة في سب السودان.
ولم أُعْطَ أنا السفير إلّا ثلاث دقائق للرد على كامل محاضرته.
ولكن السكرتير الأول – وقتها – محمد عثمان عكاشة أفسد عليه كل محاضرته باتهامه بقتل قريبه مهندس البترول في الجنوب، وقال: إن تشاتم هاوس ما كان ينبغي أن يستضيف قاتلاً كهذا.
وكانت تلك ضربة ً قوية لباقان، لم يدرِ كيف يرد عليها.

لكننا عدنا للسفارة والحزن يكتنفنا لعدم إعطائنا الزمن الكافي لردود مفصلة على تُرّهات باقان.

وقبل محاضرته في معهد التنمية لما وراء البحار (ODI)، طلبت من سارة بنتليانو أن تعطيني نفس الزمن الذي ستعطيه لباقان لأرد عليه.
قالت لي: إنها لا تستطيع.. لكنها لا تستطيع أن توقفني بالقوة عن الحديث بعد انتهاء الزمن المخصص لي ، إن لم أتوقف .
ووجدت ضالتي في صراحتها تلك !!!
وفي تعليقي على حديث باقان شعرت براحة لتمكني من أخذ زمن كافٍ، ولم أتوقف حين طلبت مني سارة مديرة الجلسة أن أتوقف.
ومما أثار الضحك على باقان بعد التشكيك في ادعائه أننا نتاجر في الرقيق — وهي الفرية التي أجهضها القسيس الإيطالي ماريو ريڤا، والخواجة جيم جايكبسون كما أشرنا آنِفَاً — أنني سألته عن: موقع المزاد الذي يباع فيه العبيد ، من البائع ، ومن الذي اشتراهم؛ لأنني أريد أن اشتري عبداً!!!
ومن الذين كانوا منصفين دكتور بول موركرافت Paul Moorcraft، وهو أستاذ في جامعات بريطانيا، ودرس في جامعات أمريكية وأفريقية، وكان مديراً لمركز تحليل السياسات الخارجية. وكان موركرافت محيطاً بمجريات الأوضاع بالسودان، لذا كانت مداخلاته في القنوات عميقة وموضوعية ومفيدة للسودان.
وتعاون معنا دكتور ديفيد هويل DVid Hoile الذي ألف عدة كتب عن السودان، من بينها كتاب ضخم عنوانه Justice Denied، عن المحكمة الجنائية الدولية، فضح فيها تحيزها، خاصة ضد الدول الأفريقية، واستهدافها بانتقائية، مع غض الطرف عن تجاوزات الدول الغربية وانتهاكات الدول المحمية غربياً.
وأنشأ دكتور هويل مركز لندن للبحوث الأفريقية London’s Africa Research Center، وكان نشطاً ، مخلصاً ، جداً في الدفاع عن السودان.
وقد تسبب دفاع دكتور هويل عن السودان في اندلاع حملة لتشويه صورته، فوُصف بأنه المدافع عن الدكتاتور البشير Lobbyist of the Dictator.
أذكر أن تشاتم هاوس منع دكتور هويل من حضور نشاطين يتعلقان بالسودان ، بحجة أن اسمه غير موجود في قائمة من سجلوا للحضور، رغم أنه كان من أوائل المسجلين؛ ولم يسمح له بالدخول إلاّ بعد تدخلي في كل مرة، وإخبارهم أنه ضيف السفير (شخصي).

ونشروا له لافتة يحملها تحمل عبارة ضد مانديلا، وكان يومئذ شاباً.
لهذه الدرجة بلغ الكيد له..
وما كان كل ذلك إلاّ جراء دفاعه عن السودان.
ومن بين المستودعات الفكرية Think Tanks التي كنا نقيم معها ضروب نشاط RUSI – Royal United Services Institute، ويتبع هذا المركز لوزارة الدفاع والأجهزة الأمنية البريطانية.

ونظراً لأهمية هذه المراكز نظمنا محاضرة للأستاذ علي كرتي، وزير الخارجية، في تشاتم هاوس شرح فيها مجريات الأوضاع السياسية بالسودان وسياسة السودان الخارجية، وكانت محاضرة قيّمة.
ومما علق بذهني عنها أن أحد المعارضين ترك كل ما قاله الوزير عن السياسة الخارجية جانباً وسأله عما إذا كان اشترى فندق قصر الصداقة!!
فأجابه الوزير بكل برود: أتمنى أن يكون لدي المال لأشتريه!!!

وقدم بروفسر غندور محاضرة قيّمة في تشاتم هاوس؛ وفي نهايتها علق مدير الجلسة الإنجليزي قائلاً:
‏I have never heard such an eloquent presentation in my life before
‏‎”لم أسمع في حياتي عرضاً بهذه البلاغة من قبل”
وكانت هذه الجملة شهادة عظيمة، خاصة أنها صدرت من رجل إنجليزي.

وعلّق جنوبي بعدوانية شديدة على حديث بروفسر غندور؛ فلما بدأ غندور بالرد عليه مخاطباً إياه بكلمة: “أخي”؛ قال له الجنوبي: لا تقل لي “أخي”..
فسأله غندور بكل برود: هل يمكنني أن أخاطبك بصديقي؟
وأفقدت تلك الفظاظة الجنوبي تعاطف الحضور.

وفي محاولتي طرق كل الأبواب، وتجنب الاستسلام، بادرت فاقترحت على المبعوث البريطاني الخاص بالسودان وجنوب السودان مايكل رايدر Michael Ryder، أن نجري “حواراً استراتيجياً” يناقش القضايا الكبرى المتصلة بعلاقة البلدين بغرض الوصول لمشتركات كُليّة. وكان ذلك مطلع 2012.
وأعجبت الفكرة المبعوث.
وأخذنا ننظم لقاءات للمسؤولين السودانيين مع رصفائهم البريطانيين.
وفي زيارة وزير الخارجية علي كرتي للندن للمشاركة في مؤتمر نظمته بريطانيا عن الصومال في 23 فبراير 2012، التقى على هامشه بوزير أفريقيا في الخارجية البريطانية هنري بلنغهام. واتفقا على لقاء مباشر.
وبالفعل رافقت الوزير للقاء بلنغهام؛ وطرح الوزير كرتي عليه فكرة الحوار الاستراتيجي مجدداً، ووافق عليها.
وأذكر أن بلنغهام التقانا عند المدخل، ونحن في طريقنا لمكتبه، سألنا: ماذا تشربون؟ ولما أجبناه أننا نفضل القهوة، أخرج عملة معدنية Coins من جيبه وأعطاها لمرافقه قائلاً:
“دفعت قيمة القهوة من مالي الخاص؛ لأن سياسة التقشف منعت تقديم الضيافة بالوزارة، وأنا أعرف أن السودانيين كرماء، ولاحظت ذلك خلال زيارتي للسودان العام الماضي، لذا دفعت من جيبي”!!!

السفير عبد الله الأزرق

4 ديسمبر 202

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى