المقالات

د. خالد سيد أحمد: الحرب مع إيران وانتعاش النفط في أفريقيا ..فرصة إستراتيجية للسودان

متابعات - تسامح نيوز

د. خالد سيد أحمد: الحرب مع إيران وانتعاش النفط في أفريقيا ..فرصة إستراتيجية للسودان

د. خالد سيد أحمد

نشرت مجلة The Economist مقالًا بتاريخ الاول من أبريل 2026 تناول فرص انتعاش صناعة النفط في أفريقيا في ظل تداعيات الحرب على إيران. ويأتي هذا المقال كعرض مُختصر لذلك الطرح، مع تقديم تحليل تطبيقي يربط مضمونه بواقع السودان وإمكاناته الواعدة في قطاع الطاقة وسلاسل الإمداد..

د. خالد سيد أحمد: الحرب مع إيران وانتعاش النفط في أفريقيا ..فرصة إستراتيجية للسودان

مع اضطراب أسواق النفط العالمية مع كل تطور جديد في الحرب مع إيران يقيّم المنتجون التداعيات طويلة الأمد لهذا الصراع. هناك أمر واحد مؤكد: سيظل الطلب مرتفعًا على بدائل الهيدروكربونات (النفط والغاز) الوفيرة في الشرق الأوسط. لكن أين يمكن العثور عليها؟

كانت شركات النفط الغربية الكبرى تعاني بالفعل من تراجع الاحتياطيات. وبعد انهيار أسعار النفط في عام 2015، خفّضت هذه الشركات ميزانيات الاستكشاف خاصة في جنوب العالم ؛ ونتيجة لذلك انخفضت الاكتشافات السنوية بشكل ملحوظ. ومع ذلك في السنوات القليلة الماضية عادت هذه الشركات إلى التوسع مجددًا. فقد اتجه الكثير منها إلى شرق أمريكا اللاتينية، مدفوعة بالاكتشاف الضخم لشركة إكسون موبيل قبالة سواحل غيانا. وقبل الحرب شهد الشرق الأوسط أيضًا اهتمامًا متزايدًا من شركات مثل توتال إنرجيز.

ثم تأتي أفريقيا وهي قارة لم تحظَ باهتمام كبير من معظم شركات النفط الكبرى خلال العقد الماضي. لكن هذا الوضع يتغير أيضًا. حتى قبل الحرب كانت خطط الإنفاق تشير إلى زيادة ملحوظة في الاستثمارات. ووفقًا لشركة وود ماكنزي الاستشارية من المتوقع أن تصل استثمارات التنقيب والإنتاج في أفريقيا من قبل أكبر سبع شركات نفط غربية إلى 64 مليار دولار بين عامي 2026 و2030، مقارنة بـ 41 مليار دولار في السنوات الخمس السابقة كما سترتفع حصتها من إجمالي الاستثمارات من 10.6% إلى 13.5%. ومع اندلاع الصراع في الشرق الأوسط قد ترتفع هذه الأرقام بشكل أسرع.

يقول جاستن كوكرين من شركة إس آند بي جلوبال إن شركات النفط الكبرى “تتدفق مجددًا” إلى أفريقيا. ففي شهر سبتمبر من العام الماضي حصلت توتال إنرجيز على أربعة تراخيص استكشاف بحرية من ليبيريا. وفي أكتوبر أعلنت شركة بي بي عن نيتها الاستكشاف قبالة سواحل الغابون. وفي فبراير أعلنت شركة إيني عن اكتشاف في ساحل العاج. كما تقوم شركات إكسون موبيل وشل وإكوينور بتوسيع أنشطتها في أنغولا.

ويُعزَّز هذا الاهتمام المتجدد بأفريقيا بفضل الجيولوجيا الواعدة والتقنيات المتقدمة. فالقارة تمتلك إمكانات هائلة خاصة في النفط البحري. ومن بين 42 بئرًا نفطيًا عالي التأثير تم تحديدها عالميًا يوجد 17 منها في أفريقيا. ومعظم هذه الآبار تقع في المياه العميقة جدًا (أكثر من 1500 متر تحت سطح البحر).

يمكن أن تحقق هذه الآبار عوائد ضخمة للشركات التي تنجح في استغلالها، لكنها في الوقت نفسه معقدة ومكلفة. وهنا يأتي دور التطورات التكنولوجية الحديثة. فقد ساعد الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستكشاف كما أن التحسينات في تقنيات الإنتاج والتخزين والتفريغ العائمة جعلت من الأسهل والأسرع زيادة الإنتاج. وقد اكتسبت الشركات خبرة في هذه التقنيات من خلال عملها في أمريكا اللاتينية.

كما أن الحكومات الأفريقية، التي تضررت من فقدان الإيرادات عندما انسحبت شركات النفط الكبرى قبل عقد من الزمن أصبحت تقدم شروطًا أكثر جاذبية لجذب الاستثمارات. وقد ركزت شركات النفط الوطنية في القارة والتي تمثل أكثر من نصف الإنتاج على تعزيز الإنتاج البري وتحسين استغلال الحقول الناضجة بدلاً من البحث عن اكتشافات بحرية جديدة.

ونتيجة لذلك ظل إنتاج النفط والغاز مستقرًا نسبيًا في السنوات الأخيرة عند أكثر من 10 ملايين برميل يوميًا . وتتوقع غرفة الطاقة الأفريقية أن يرتفع هذا الرقم إلى 13.6 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2030.

وقد يرتفع الإنتاج أكثر إذا قررت الشركات الغربية زيادة استثماراتها في أفريقيا استجابة للحرب مع إيران وربما تحويل بعض الاستثمارات المخطط لها بعيدًا عن الشرق الأوسط. ورغم أن أفريقيا تواجه تحدياتها الخاصة من عدم الاستقرار إلا أن الخيارات البديلة لمصادر الطاقة محدودة. وفي ظل تزايد المخاوف بشأن أمن الطاقة سترحب العديد من الحكومات حول العالم بتوسيع الإمدادات من مناطق أخرى لتعزيز التنوع.

علاوة على ذلك من المتوقع أن يرتفع الطلب المحلي على النفط والغاز في أفريقيا بشكل كبير في السنوات القادمة مما يزيد من جاذبيتها كوجهة للاستثمار. كما أن المنافسة بين شركات النفط الكبرى تلعب دورًا مهمًا وكما يقول جاستن كوكرين:

في هذا السياق يبرز السودان كأحد الدول الافريقية التي يمكن أن تستفيد بشكل مباشر من هذا التحول العالمي في قطاع الطاقة. فموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر وامتلاكه لبنية تحتية قائمة مثل خطوط الأنابيب وميناء بورتسودان يجعله مؤهلًا لحد ما ليكون مركزًا إقليميًا مهمًا في سلاسل إمداد النفط. ومن المعلوم ان السودان قد تحول من دولة منتجة للنفط لدولة عبور لنفط دولة جنوب السودان بعد الانفصال. إن الفرصة الحقيقية للسودان لا تكمن فقط في زيادة الإنتاج الحالي، وهو كمية صغيرة مقارنة بما كان ينتجه في السابق، بل في إعادة تصميم سلسلة الإمداد النفطية بحيث تشمل:

•تطوير قدرات التكرير المحلي وهنا يمكن للسودان ان يقوم باستيراد نفط خام من دول إفريقية وتكريره محليًا وإعادة تصدير المنتجات (ديزل، بنزين، وقود طائرات ).

•تعزيز الخدمات اللوجستية (النقل، التخزين، التوزيع) وجذب الاستثمارات في الصناعات البتروكيماوية

•استخدام التكنولوجيا الحديثة لتحسين الكفاءة وتقليل التكاليف.

د. خالد سيد أحمد عوض الكريم

أستاذ اللوجستيات وسلاسل الإمداد – دكتوراه في الجودة وإدارة العمليات – جامعة نوتنغهام، إنجلترا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى