أخبارالمقالات

د. ياسر محجوب الحسين يكتب: السودان… تلاطم أمواج الانتداب

تسامح نيوز – الخرطوم

 

أمواج ناعمة

في ظل عجز القوى السياسية السودانية بشقيها العسكري والمدني، بدت البلاد نهبا لتلاطم أمواج التدخل الخارجي الذي استباح البلاد تماما. بل إن الخلافات والتنافس يدور على أشده بين الأصابع الدولية التي غدت انتدابا أجنبيا جثم على صدر البلاد المثخنة بصراعات أبنائها. تقول ما يعرف بالآلية الثلاثية التي تمثل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (الإيقاد)، إن ما يعرف بالآلية الرباعية والتي تضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودولتين إقليميتين، تتدخل في الحوار الهادف لحل الأزمة السياسية في السودان. وقالت في إحاطة لمجلس السلام والأمن بالاتحاد الأفريقي، إن الآلية الرباعية تؤثر بشكل سلبي على الفرقاء السودانيين. ويتلخص الاتهام في أن الرباعية التي من المفترض أن تكون محايدة، تنجاز بشكل سافر لتحالف الحرية والتغيير المجلس المركزي أو ما يمكن تسميته بالكتلة الحرجة الأولى.
ومعروف للقاصي والداني أن الرباعية ترعى بالفعل الكتلة الحرجة الأولى وهي التحالف الذي يضم أحزاب الأمة، والمؤتمر السوداني والمؤتمر الشعبي، وجماعة أنصار السنة، وبعض الهيئات الأخرى. ومع افتراض تسليم المكون العسكري السلطة لهذه الكتلة كما تطالب الآلية الرباعية، فهل ستنجح؟ لا يبدو ذلك أمرا محتملا لأن هذه الكتلة ستكون في مجابهة في كتلة حرجة أخرى برزت وتشكلت بعد إجراءات الجيش في 25 أكتوبر الماضي التي أطاحت بحكومة عبد الله حمدوك، وقوام الكتلة الثانية، مجموعة شرق الشرق ممثلة في نظارات البجا وبعض الحركات المسلحة وما يعرف بالتيار الإسلامي العريض. بل هناك كتلة حرجة ثالثة وهي التي تقود تظاهرات الشارع التي لا تكاد تنفع وهي تمثل اليسار بقيادة الحزب الشيوعي. ولذلك فإن الخطورة تكمن في الكتلة الحرجة الثانية لأنها تقف على أرضية تأييد عريضة من العسكريين داخل الجيش الذين يشعرون بالغبن بسبب معاداة الكتلة الحرجة الأولى لهم ومطالبتها بتفكيك الجيش وإعادة هيكلته، وسلب شركاته ومنظومته الاقتصادية. وعليه فإن أمر تسليم السلطة لحكومة تشكلها الكتلة الحرجة الأولى لتكون نسخة ثانية لحكومة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك بدفع من الآلية الرباعية ليس بهذه السهولة والبساطة. نشير هنا إلى أن الكتلة الحرجة الثالثة بقيادة الحزب الشيوعي غير ضعف سندها الجماهير، فإنها واقعة في خطأ إستراتيجي يتمثل في إنهاك منسوبيها على قلته في تظاهرات عبثية دون طائل. وعندما تأتي اللحظات الفاصلة لن يجد قادة هذه الكتلة ما يستعينون به في مدافعتهم السياسية عبر الشارع.
لعل الحقيقة الجديرة بالإشارة هي أن السودان تاريخيا كانت تحكمه على المستوى القاعدي الإدارة الأهلية ورجال الطرق الصوفية، أما على المستوى الرأسي كان الملك قائد الجيش وهو شخص مقاتل منذ عهود الممالك الكوشية (القرن الثامن قبل الميلاد)، مرورا بالسلطنة الزرقاء (1504 – 1821م)، وانتهاء بالدولة المهدية (1885 – 1899م). فلم يعرف السودان ثنائية المدني والعسكري، والتي دخلت إلى الدولة السودانية ومسرحها السياسي مع مجيئ الحاكم البريطاني اللورد هوراشيو هربرت كتشنر الذي قاد حملة الغزو البريطاني على السودان انطلقت في العام 1898م، وأقام نظاما جديدا عرف بنظام الحكم الثنائي (بريطاني – مصري) وأصبح كتشنر حاكما للسودان وهو عسكري معروف وخلفه ونجت باشا وهو كذلك عسكري معروف.
الخلاصة أن الدولة السودانية خرجت من رحم المؤسسة العسكرية وقامت في أساسها على السمع والطاعة، وعند خروج الاستعمار استلمت النخب السياسية السودانية دولة ذات طابع عسكري، من أصغر موظف (باشكاتب إلى رئيس الدولة)، ولذلك ظل المزاج السودانية مرحبا بالحكم العسكري والتعامل مع المؤسسة العسكرية. ولم يكن غريبا بعد الاستقلال 1956 ترحيب هذه النخب بالانقلابات العسكرية بقيادة الجنرالات؛ إبراهيم عبود (1958 – 1964)، وجعفر نميري (1969 – 1985)، وعمر البشير (1989 – 2019)، واليوم ترحب ذات النخب بالمكون العسكري بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان. وعلى كل حال لم يقدم المدنيون ممثلين في الأحزاب السياسية في فترات حكمهم القصيرة النموذج الديمقراطي المطلوب والمقنع لتكون بديلا للحكم العسكري قائم على الاقتراع والانتخاب، بل نتج عنه حكم أقلية عبر صناديق الاقتراع حيث يلعب المال والطرق الصوفية والقبائل دورا حاسما في اختيار الممثلين.
اليوم هناك 5 عقد تمسك بتلابيب الوضع السياسي في السودان؛ العقدة الأولى تحدثنا عنها وتمثلت في التدخل الأجنبي؛ أما الثانية، تتمثل في أن العسكريين يريدون أن يحكموا ويعتقدوا أنهم بعد 3 سنوات من الاطاحة بنظام الجنرال عمر البشير أصبحوا أكثر خبرة من الناحية السياسية فضلا عن أنهم هم من يقاتل دفاعا عن كيان الدولة السودانية ويزود عنها وأن من ينافسونهم في الحكم لا سيما الحركات المسلحة هي من خربت البلاد وكانت مطية للتدخلات الخارجية. أما ما يخص الحركة السياسية المدنية فإنها لم تتعلم شيئا لأن من أكبر إشكالياتها، صراع اليمين واليسار. ويرى بعض المراقبين أنه إذا توصل اليمين واليسار لاتفاق حد أدنى بينهما، لاستطاعوا تشكيل جبهة للقوى الجديدة تتمكن من كسر ثنائية عسكري ومدني.
أما عقدة الثالثة فهي كثرة الجيوش الموازية للجيش الوطني وهي الحركات المسلحة وبعضها يسيطر على أراضٍ في جبال النوبة ودارفور، وأيضا ما يعرف بقوات الدعم السريع. أما العقدة الرابعة فتتمثل في ضعف الأحزاب السياسية التي أضحت بلا قيادات خاصا بعد ذهاب القيادات التاريخية مثل حسن الترابي والصادق المهدي. أما العقدة الخامسة تتمثل في ملايين الشباب العاطل عن العمل والمحبط الذي لا يرى بصيص أمل سواء حكمت الكتلة الحرجة الأولى أو الثانية أو الثالثة.
هل هناك من حل؟ الأمر معقد جدا لكن في أحسن الأحوال قد تكون هناك فرصة لحل ما عبر العودة لدستور 2005 الذي وضع بتوافق كبير لم يشهد السودان مثله في التاريخ الحالي، يمكن على أساسه تكوين مفوضيات الانتخابات والتعداد السكاني خلال فترة انتقالية محكومة بزمن محدد وليست مفتوحة على الإطلاق، لإنجاز انتخابات تفرز برلمانا يمكن أن يضع دستورا يتمتع بالقبول الشعبي والتوافق السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى