أخبار

هل كانت حكومة الإنقاذ فعلا دكتاتورية مطلقة وفاشلة تماماً

متابعات | تسامح نيوز

هل كانت حكومة الإنقاذ فعلا دكتاتورية مطلقة وفاشلة تماماً

كتب – د. محمد عثمان عوض الله

ليس من الدقة ولا من النزاهة الفكرية إختزال تجربة امتدت لثلاثة عقود من تاريخ السودان في عبارة (نظام ديكتاتوري). أو قوالب جاهزة مثل (الشر المطلق الذي دمر كل شيء). بالمقابل ليس من الصواب تقديمها كنموذج كامل النجاح بلا إخفاقات.

النقد الموضوعي و النقاش الجاد هو الذي يقييم النظام بمعايير واضحة تقيس السياسي و الاقتصادي بوصفه نظاما يشكل حالة تاريخية مركبة. ثلاثة عقود لا يمكن قياسها فقط بالشعارات السياسية أو القوالب النمطية الجاهزة.

مشكلة السردية و الإختزال

الخطاب الذي تتبناه قطاعات قوى ما بعد 2019 يقوم على فرضية أن كل أزمات السودان، الحرب، الانفصال، الاقتصاد، اشكالات الدولة، كلها تعود إلى سبب حصري واحد فقط هو نظام الإنقاذ.

هذه الفرضية، رغم جاذبيتها لكنها تعاني من خلل لأنها لا تقدم نقدا موضوعيا لتجربة الانقاذ. وانما عوضا عن ذلك تلغيها بالكامل من التاريخ السوداني وبإختزالها في كلمة واحدة. و تتجاهل تغييرات كبيرة و عميقة حدثت لا يمكن إنكارها. مثل التحولات المادية و المؤسسية و الدستورية وفي نظام الحكم الاتحادي و النظام الراسمالي الاقتصادي، التي شهدها السودان خلال هذه الفترة ومدى تأثيرها المباشر على حياة الناس.

هل كانت حكومة الإنقاذ فعلا دكتاتورية مطلقة وفاشلة تماماً

التمييز الضروري لفهم التجربة

لفهم تجربة الإنقاذ بجدية، لا بد من التمييز بين ثلاثة مستويات:

1/ طبيعة النظام السياسي: احتكاري؟ سلطوي؟ تعددي جزئي؟.

2/ أداء الدولة في بناء البنية التحتية والمؤسسات. كم؟ كيف؟

3/ الأثر الاجتماعي و الاقتصادي الفعلي على المجتمع. ما هو؟ كما و كيفا؟

الخلط بين هذه المستويات هو الذي ينتج الحكم المبسط بغرض توظيفه سياسيا. سواء بالإدانة أو بالتأييد للمستوى الأول لا يمكن إلغاء ما حدث في المستويين الثاني والثالث.

الدولة التي تشكلت على الأرض لا في الخطابات

إذا تركنا اللغة السياسية جانبا، ونظرنا إلى الوقائع، سنجد أن فترة الإنقاذ شهدت محاولة لبناء دولة حديثة شملت عدة جوانب. مثل انتاج الكهرباء الذي قفزت من 2000 إلى 6000 ميغاواط شكلت تحولا في نمط الحياة المدينة و في الريف، و الزراعة، و الورش، والمصانع و المنازل. أدى الى إعادة تشكيل الاقتصاد اليومي للمواطن و الاقتصاد الكلي للدولة. كما أن شبكة المطارات 30 منها 7 دولية، و الكباري 50 منها 7 في الخرطوم، الطرق المسفلتة، التي تحاوزت 9000 كلم، قد أعادت رسم جغرافية السودان باعادة ربطه داخليا و خارجيا.

أما استخراج النفط 500 الف برميل، و توطين صناعتة معامل، تكرير، أنابيب 1600 كلم، عبارة عن منصة تأسيس جديدة للعقل و القدرة الاقتصادية، أعادت مقدرة الدولة على تمويل نفسها و مشاريعها و علاقاتها و رفع أفقها و طموحها. بغض النظر عن الكيفية التي تمت بها إدارة هذا المورد قبل أو بعد سقوط الانقاذ. اما فيما يتعلق بالصحة 150 مستشفى مرجعي، والتعليم أكثر من 50 جامعة. نعم، يمكن نقد الجودة، لكن لا يمكن إنكار التوسع. الاف المؤسسات الصحية، و تضاعف التعليم العام و العالي،

و ما صاحبه من نشوء طبقة مهنية من خارج المركز هو التحول الاجتماعي الاعمق خلال فترة الانقاذ. أيضا في مجال الاتصالات، تحول السودان إلى أنظمة الدفع الإلكتروني والحوسبة الحكومية، صحيح أنه لم يكتمل لكنه وضع أساس دولة حديثة إجرائيا حتى و لو اختلت سياسيا. أنظر نظام بنكك و تحويلات المغتربين و استخراج الأوراق الثبوتية و غيرها، خلال الحرب.

هل كانت حكومة الإنقاذ فعلا دكتاتورية مطلقة وفاشلة تماماً

هنا تكمن المفارقة التي عجز الخطاب السياسي عن استيعابها. و هي كيف يمكن أن نعترف للدولة بتقدمها المادي و الاقتصادي و أثره الاجتماعي دون أن نخلط أو نتخلى عن حقنا أو واجبنا في تقديم النقد الموضوعي لنظامها السياسي؟!.

نفطة التحول الكبرى

إذا كانت هناك لحظة يمكن اعتبارها نقطة التحول الأهم داخل تجربة الإنقاذ و منصة اعادة التأسيس الحقيقية، فهي لحظة توقيع اتفاقية نيفاشا و ما بعد دستور 2005. لأنها اللحظة التي منحت حقوقا و إعادة فتح المجال العام و رفعت الحواجز و الأفق، و أجابت على الأسئلة الصعبة و اعادت تعريف الدولة بدرجات غير مسبوقة في تاريخ السودان. إدماج حركات مسلحة و أحزاب كبرى في مركز السلطة، تقاسم حقيقي و مؤسسي للسلطة والثروة، وانتقال الصراع من الميدان العسكري إلى الفضاء السياسي. هذا التحول لم يكن تكتيكا و لا شكليا، و لكنه يمثل جوهر السودان الجديد الذي أعلنه النظام في وقتها، تحت شعار الجمهورية الثانية.

سودان الاعتراف بالاخر و بالتعدد. تضمن دستور 2005، حقوقا واسعة حول الحريات العامة، وحرية التعبير والتنظيم، واستقلال القضاء، والتعدد الثقافي والديني، والفيدرالية. والأهم كل من ذلك، شاركت في صياغته معظم/كل القوى السياسية المتباينة، بما في ذلك الخصوم التقليديون لبعضهم البعض.

هذه ليست سمة نظام مغلق بالكامل، بل سمة نظام يحاول كليا أو جزئيا إعادة إنتاج شرعيته عبر الانفتاح و المشاركة و احقاق الحقوق عبر التشريعات و الدستور. فقد تكونت لجان الانتخابات و الدستور بتوافق تام. و أجريت الانتخابات بمشاركة المعارضة (2010 و 2015)، و شهد البرلمان نقاشات حقيقية، و أجيزت القوانين عبر عمليات تشريعية، وعادت قيادات المعارضة من الخارج للعمل العلني، و تم توقيع اتفاقية الدوحة لسلام وتنمية دارفور، وعقدت الأحزاب مؤتمراتها، مثل حزب الأمة و المؤتمر الشعبي و الحزب الشيوعي بعد عقود من الانقطاع، وبحضور رمزي من خصومهم، يعكس درجة من الاعتراف المتبادل لا يمكن تفسيرها وفق نموذج الإقصاء المطلق مهما كانت البرباغندا المضادة له.

أما على المستوى الاجتماعي والثقافي، فقد كان الأثر عميقا. عقدت المهرجانات القومية، عاد المسرح، توسع الغناء الشبابي، برامج ثقافية متنقلة بين الولايات، ومبادرات مثل عاصمة الثقافة القومية اخرها سنار، و مهرجانات السياحة الولائية و الدورات المدرسية اخرها نيالا. جميعها نقلت النشاط الثقافي من المركز إلى الأطراف. هذه مؤشرات على اتساع المجال الثقافي وارتفاع متسوى التفاعل الاجتماعي بعيدا عن ما يسمى بقبضة المركز التقليدي.

كما أن الاشادات المتبادلة بين القيادات السياسية و الثقافية و المجتمعية كانت دليلا أكبر على التعايش. على رأسها الإشادة المشهورة من رئيس الدولة بشخصية معارضة بحجم محمد إبراهيم نقد، و بالاستاذة سعاد أحمد ابراهيم، والتعبير عن التقدير و الاحترام و ردهم للتحية بمثلها. كما أن شهادة الطيب صالح، قدمت قراءة أخلاقية لشخص رأس الدولة من موقع لا يمكن اعتباره سياسي و لا دعائي. و الكلمة الضافية التي ارتجلها الفنان محمد الأمين بين يدي رئيس الجمهورية معبرا عن تقدير أهل الفن للدعم المتواصل الذي يجدونه منه: (نحن نحبك و نقف دوما معك). هذه مشاهد من التفاعل العفوي و الإنساني بين قيادات متباينة أيديولوجيا و سياسيا و مهنيا تعكس أن المجال السياسي لم يكن مغلقا بالكامل كما تحاول أن تصوره بعض القيادات.

أوردنا كل هذه العناصر، ليس لتبرئة النظام، لكن لتوضيح أن توصيف الديكتاتورية المطلقة ليس تفسيرا منصفا ولا كافيا لتحليل أو إختزال 30 عاما من تاريخ السودان.

يمكن وصف نظام الانقاذ في الحد الادنى، بأنه أقرب إلى نظام هجين يجمع بين السيطرة المركزية والانفتاح النسبي. سيطرة لم تكن ديكتاترية مطلقة و لا مغلقة كما أن الانفتاح لم يكن انفتاحا يكفي ليبني نظاما مستقرا و لا ليؤسس تحولا ديمقراطيا مستقرا.

و في رأيي أن مشكلة الانقاذ لم تكن في الدكتاتورية و لا في الارهاب الذي يحاول خطاب المعارضة وصمها بها. وانما كانت من الناحية السياسية في التردد بين الانفتاح و السيطرة. و اقتصاديا في الاعتماد على مورد واحد هو البترول. و في الصراع السياسي المستمر من داخل النظام و من خارجه. وإن كانت الاسباب طبيعية و واقعية، إلا أن النتيجة كانت نظاما غير مستقر سياسيا و هش اقتصاديا لم يتمكن من الوصول الى توافق وطني كامل و مستقر. اذا ميزة الانقاذ و مشكلتها في آن واحد، أنها حاولت بناء دولة حديثة لكنها لم تنجح في تأسيس عقد سياسي/ احتماعي مستقر. ولم تكن الدكتاتورية و لا الارهاب.

 

أخيرا فان خطأ خطاب المعارضة الحالي أنه لا يريد أن يحلل التجربة بموضوعية و لا أن يعترف بايجابياتها و لا أن يتعلم من اخطائها. وانما فقط يرفع سقف النقد عاليا. لا يقدم بديلا أفضل، و يسعى لتطبيق نفس الأخطاء التي ينتقدها (إقصاء، شيطنة، غياب التوافق). لذا فان المأمول ومن الجميع هو انهاء هذا النوع من الصراع السياسي الذي اضاع الوقت و بدد الطاقات، و عوضا عن ذلك الحديث حول ما يجمع القوى الوطنية حول الحد الادنى من التوافق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى