أمريكا في السودان وأفغانستان .. صداقة للنسيان

وضعت الولايات المتحدة الأمريكية أقدامها (الثقيلة) على أفغانستان منذ العام 2001 بعد أن أطاحت بحركة طالبان من السلطة. وكانت الجماعة تؤوي أسامة بن لادن وشخصيات أخرى من تنظيم القاعدة مرتبطة بهجمات 11 سبتمبر التي كانت سبباً للغزو. وبعد سنوات من الشد والجذب اتفق الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مع طالبان بسحب قواته من الأراضي الأفغانية في مايو 2021م. ولكن كان للرئيس الجديد جو بايدن رأي آخر فتم تأجيل الموعد النهائي للإنسحاب الكامل. وبعد 20 عاماً تقرر أمريكا مغادرة أفغانستان بعد أن خاضت أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة. وسنتابع لنرى الدوافع والأهداف وما علاقة كل هذا بالسودان.
أهداف أمريكية:
قررت الولايات المتحدة الأمريكية الدخول إلى أفغانستان وفي أجندتها أهداف محددة تمثلت في الإطاحة بنظام طالبان وتحرير أراضي أفغانستان من نفوذها إلى جانب القبض على عناصر تنظيم القاعدة ومحاكمتهم. ورسمياً تحققت هذه الأهداف في العام 2014 ، وقضى الأمريكيون السنوات الست المتبقية لمساعدة القوات الداخلية، حتى يتعافوا من حرب أهلية طويلة، إلى جانب عملهم كمستشارين، من أجل إقامة الديمقراطية. ولكن لعل الجميع يعلم أن الصرف على الحروب مكلف جداً لذلك فإن الدول بمجرد تحقيق أهدافها وخططها فإنهم ينهون الملفات بسرعة ويغادرون وتبقى فقط الوعود.
ماذا حدث بعد ذلك؟:
حلقت طائرات الجيش النظامي الأمريكي بعيداً عن الأراضي الأفغانية، لتعود طالبان وتشن هجمات كفلت لها الإستيلاء على أجزاء كبيرة من البلاد والمدن الرئيسية. فماذا كانت ردة فعل الولايات المتحدة؟ لم تفعل القوات الأمريكية شيئاً لأن أفغانستان صارت بالنسبة لها غير مهمة بعد أن حققت أهدافها التي ذكرناها آنفاً.
خراب ودمار:
وبعد 20 عاماً من المعارك الدامية، أصبحت أفغانستان أشبه بالمقبرة الكبيرة ولم تمتد الأيادي الأمريكية ولم تساعد في إعادة الإعمار، بل صرحت ببرود أن هذه مهمة الحكومة الشرعية لأفغانستان. وحتى المواطنين الذين عانوا ويلات الحرب وعاشوا تحت القصف لسنوات طويلة لم يجدوا أية مساعدة من الأمريكان الذين يتشدقون بإهتمامهم بحقوق الإنسان.
أمريكا في السودان:
قد يقول الكثيرون إنه من المستحيل مقارنة الوجود الأمريكي في أفغانستان بالسودان، حيث كان التدخل الأمريكي العسكري مباشراً، أما السودان فلم تسدد له أمريكا ضربة عسكرية سوى قصف مصنع الشفاء. وحول هذه النقطة يشرح خبراء ومحللون سياسيون أن الأساليب الأمريكية تغيرت منذ العام 2001م وحتى الآن. ويبرز هنا السؤال لماذا تدفع أمريكا بقوات عسكرية طالما أن بإمكانها تنفيذ أهدافها وأجندتها عبر مؤيدين داخل البلد المستهدف؟ ولماذا تدفع أموالاً وتزهق أرواحاً تخصم من رصيدها الداخلي طالما أن هناك من ينوب عنها وينفذ توجيهاتها عبر (مستشارين) وتحت غطاء (غرس الديمقراطية)؟.
سياسة الضغط:
أتبعت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة الضغط الإقتصادي على السودان من أزمان بعيدة. فبعد حصار دام لأكثر من 20 عاماً عادت لترفع عنه الحظر وتشطب إسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولكن لا زالت هناك عقبات لا تسمح بإنسياب التعامل بصورة طبيعية، وهذا ما تريده أمريكا. فهي تتحدث عن صداقة جديدة مع الحكومة الإنتقالية، لكنها في نفس الوقت لا تساعد كما يجب في حلحلة الأزمات السياسية والإقتصادية والأمنية التي تحيط بها، وهي التي بإمكانها فعل ذلك في أقل من 24 ساعة. ولكنها تبذل الوعود ثم تتحدث عن أن الشعب السوداني قادر على تجاوز أزماته دون طلب المساعدة من أحد، تماما كما قالت أن إعمار أفغانستان من مهام الحكومة الشرعية في كابول.
ساحة معركة:
ويقول الخبراء أن السودان بالنسبة لأمريكا ساحة معركة بالضبط كما كانت أفغانستان. حيث يسعون لتحقيق أهدافهم لذلك يجب أن لا نبني مستقبلنا على الوهم الأمريكي الكبير. ويضيف الخبراء: (لم تفعل الولايات المتحدة في تاريخها أي شيء بلا مقابل، وأية تصريحات وأفعال هي في الحقيقة من أجل تحقيق فوائد لواشنطن وليست بحثاً عن حلول لمشاكل السودانيين أو أي شعب من شعوب العالم. ويؤكد الخبراء أن السودان بالنسبة لأمريكا هو مجرد دولة أخرى تلعب فيها لعبة الشطرنج، تنتهي بحصار الملك وإفراغ الرقعة من عناصر القوة وهو ما يفعله الآن المستشارون وأصدقاء الداخل، فهم يحققون أهداف ومرامي أمريكا من وجودها في السودان ويتركوا خلفهم الوعود. ويختم الخبراء: (نخشى أن يصحو الشعب السوداني على إثر صرخة مدوية بعد إنسحاب الكاوبوي الأمريكي: (كش ملك).





