إبراهيم محمود : السودان لا يحتاج وصفات جاهزة..بل قرارًا وطنيًا شجاعًا..الإنسان أولاً!!
متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز
اكد المهندس ابراهيم محمود حامد رئيس المؤتمر الوطني المكلف ، أن السودان لم يفشل بسبب نقص الموارد، بل بسبب غياب مشروع وطني يضع الإنسان في قلب الدولة.
واضاف ، فالأرض خصبة، والمياه متوفرة، وباطن الأرض زاخر بالذهب والمعادن والبترول، والموقع الجغرافي استراتيجي. ومع ذلك، ظلّ الإنسان السوداني خارج معادلة التخطيط والحكم، وكأنه وسيلة لا غاية، أو رقم لا قيمة له.
وقال ، هذه المفارقة ليست جديدة في تاريخ الدول المتأزمة. وقد تناولها بعمق الاقتصادي والفيلسوف أمارتيا سن، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1998، حين نقد ما أسماه اختزال الإنسان إلى أداة (Instrumental View of Human Beings).
فالإنسان، في نظره، ليس وسيلة للإنتاج فقط، بل هو الغاية ذاتها. والتنمية ليست نمو الدخل أو ارتفاع الأرقام في التقارير، بل توسيع قدرات الإنسان الفعلية على الحياة الكريمة، والاختيار، والعمل، والمشاركة.
وأشار إلى أن المفكر السودانى ابوالقاسم حاج حمد يؤكّد ايضا على ان الانسان غاية وليس اداة، لكنه ينطلق من مشروع حضاري معرفي، ( الانسان خليفة ومسؤول حضاري) ينطلق من نقد الحضارة الحديثة نفسها، وليس الاقتصاد فقط .
وقال من هنا، فإن الخروج من الأزمة السودانية يبدأ بإعادة تعريف الدولة ووظيفتها.
الدولة ليست شركة، والمواطن ليس سلعة، والتنمية ليست أرقامًا مجردة.
التنمية الحقيقية تعني أمنًا من الخوف والجوع، وتعليمًا جيدًا، وصحةً أساسية، وعدالةً تجعل الإنسان يشعر بقيمته داخل وطنه. كما أن السلام ليس بندًا تفاوضيًا، بل شرط إنساني سابق على أي إصلاح اقتصادي أو سياسي.
واضاف ، ولا ينبغي للسودانيين أن ينتظروا الخارج ليصنع لهم السلام.
فالسلام لا يُستورد، ولا يُفرض على المظلومين، لأن فرض السلام بالقوة لا يعني إنهاء الحرب، بل تأجيلها في شكل آخر.
السلام الحقيقي ليس اتفاقًا بين نخب، بل حياة آمنة للمواطن: مدارس مفتوحة، ومستشفيات تعمل، وشباب يجدون عملًا بدل حمل السلاح. فالأمن يبدأ من كرامة الإنسان، لا من فوهة البندقية.
وقال ، ومن يقرأ التاريخ بعمق، ويتأمل تجارب العالم لاستخلاص العبر، يدرك أن كل الدول التي نهضت بعد الحروب والأزمات الكبرى لم تنجُ لأنها امتلكت سلاحًا أقوى، بل لأنها امتلكت رؤية أوضح: إعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء السلطة.
ألمانيا، اليابان، كوريا الجنوبية، رواندا… كلها بدأت من نقطة واحدة: كرامة المواطن، وقدرته على التعلم والعمل، وثقته في الدولة.
وتابع ،في المقابل، فإن الدول التي ركزت على الأمن قبل الإنسان، وعلى الموارد قبل العدالة، أعادت إنتاج العنف بأشكال مختلفة. فالعنف لا ينتهي مع بقاء الفقر، ولا يستمر السلام مع بقاء الظلم.
وتؤكد التجارب الدولية أن الجوع ظاهرة سياسية قبل أن يكون ظاهرة طبيعية، وأن الدول التي تجاوزت أزماتها جعلت الأمن الغذائي مدخلًا لإعادة بناء الدولة والاستقرار.
ففي البرازيل، عولج الجوع كقضية أمن قومي عبر استراتيجية «صفر جوع وخفض الفقر»، وربط الدعم الاجتماعي بالإنتاج الزراعي والتعليم. وبهذا النهج تحولت البرازيل من دولة مهددة بالإفلاس إلى واحدة من دول مجموعة العشرين.
وفي الولايات المتحدة، وبعد الكساد العظيم، أطلق الرئيس فرانكلين روزفلت مشروع الصفقة الجديدة تحت عنوان النيوديل (new deal): «من أجل الإنسان المنسي». لم يعتمد وصفة أيديولوجية جامدة، قدر ما اعتمد على صيغة اقتصادية تشبه صيغة “بيع السلم” في الفقه الإسلامي؛ أي صيغة تقوم فيها الحكومة بتمويل المزارعين الذين ينتجون السلع الضرورية. فأنشأ هيئة فدرالية باسم هيئة تمويل السلع (The Commodity Credit Corporation, CCC) لتقوم بالإشراف على عملية التمويل الزراعي، . وصاغ سياسة عملية لحماية المزارعين وزيادة الإنتاج واستقرار الأسعار، عبر تمويل حكومي مباشر وشراء الفائض وتخزينه . . وتحولت هذه السياسة إلى ركيزة دائمة من ركائز الأمن الغذائي الأمريكي، لا تتغير بتغير الحكومات.
أما الهند، فقد انتقلت من مجاعات مدمرة في ستينيات القرن الماضي إلى إطعام أكثر من مليار ونصف إنسان، وتحقيق الاكتفاء الذاتي وامتلاك احتياطي ضخم من الحبوب، بفضل الثورة الخضراء وسياسات التوزيع العادل.
وقال، والدرس هنا واضح: الاستثمار في الزراعة هو استثمار في السيادة.
وفي روسيا، تحولت الدولة من مستورد للحبوب إلى أحد أكبر مصدري القمح في العالم، مستخدمة الغذاء كأداة سيادة وقوة جيوسياسية.
هذه التجارب جميعها تقول شيئًا واحدًا:
لا تنتظروا الخارج ليحقق لكم الأمن من الجوع والخوف.
الزراعة فى السودان هى قاطرة النهضة. فهى التى تحقق الامن الغذائي، وتوفر فرص العمل ، وتحرك القطاع الصناعي ، وقطاع النقل والتجارة، وقطاع الصادر وتعالج عجز الميزان التجارى ، وتكافح التضخم .
وقد عبّر عن هذه الحقيقة بوضوح لافت رئيس الوزراء الكندي في كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، حين قال إن النظام الدولي القائم على القواعد آخذ في التلاشي، وإن الدولة التي لا تستطيع إطعام نفسها أو توفير الطاقة أو الدفاع عن نفسها تصبح خياراتها محدودة. وعندما لا تعود القواعد تحميك، يصبح لزامًا عليك أن تحمي نفسك بنفسك.
وختم حديثه،خلاصة القول:
إن السودان لن ينهض بتغيير الحكومات فقط، بل بتغيير الفلسفة التي تحكم الحكم.
فالانتقال من منطق “إدارة الإنسان” إلى منطق خدمة الإنسان، ومن دولة تستنزف مواطنيها إلى دولة تحميهم، هو الطريق الوحيد لبناء وطن مستقر وعادل.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن التعليم الجيد، والصحة الأساسية، والعمل الكريم ليست كماليات، بل شروطًا للنهضة. فعندما يشعر المواطن بالأمان والعدالة، يتحول من عبء على الدولة إلى قوة إنتاج وبناء.
إن أي مشروع وطني لا يضع الإنسان في مركزه محكوم عليه بالفشل.
فالسلام الحقيقي ليس مجرد اتفاق سياسي، بل مدرسة مفتوحة، ومستشفى يعمل، وشاب يجد فرصة عمل بدل حمل السلاح.
الدول الخارجة من الحروب لا تُنقَذ بالسلاح ولا بالقروض، بل بسؤال واحد:
كيف نعيد للإنسان الأمان، والكرامة، والقدرة على الإنتاج؟
السودان لا يحتاج وصفات جاهزة،
بل يحتاج قرارًا وطنيًا شجاعًا:
الإنسان أولًا… والباقي سيتبع.





