المقالات

إعتقال رئيس فنزويلا ماذا يعني للسودان وللجنوب العالمي!!

متابعات | تسامح نيوز 

إعتقال رئيس فنزويلا ماذا يعني للسودان وللجنوب العالمي!!

كتب – د ياسر زيدان

عطفًا على المقال السابق حول الدور الإماراتي في الإقليم وتشكّل ما يمكن تسميته بـ«النظام الحديدي الجديد»، أحاول هنا تفكيك حدث اعتقال رئيس فنزويلا في سياق تشكّل نظام دولي متعدد الأقطاب: ماذا يعني ذلك للسودان وللجنوب العالمي عمومًا؟

مع فجر الثالث من يناير 2026، برزت ملامح واضحة لنظام دولي جديد يطوي صفحة النظام الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية. فقد جرى اعتقال رئيس دولة ذات سيادة، هي فنزويلا، من قبل دولة أخرى، هي الولايات المتحدة الأمريكية، ونُقل لمحاكمته على أراضيها بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات والإرهاب. هذه الحادثة لا يمكن قراءتها كإجراء قانوني معزول، بل كحدث كاشف لانهيار قواعد النظام الدولي القديم، وعلى رأسها مبدأ سيادة الدولة.

إعتقال رئيس فنزويلا ماذا يعني للسودان وللجنوب العالمي!!

والمفارقة اللافتة أن أول من شرع في تفكيك هذا النظام لم يكن خصومه، بل الولايات المتحدة نفسها، بوصفها القطب الأقوى فيه. فمنذ سنوات، بدأت واشنطن انسحابًا تدريجيًا من دور «شرطي العالم»، وقلّصت انتشارها العسكري الخارجي، لكنها لم تتوقف عند هذا الحد؛ بل عملت أيضًا على إضعاف المؤسسات الدولية التي أسهمت في تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية. فبعد أن دعمت هذه المحكمة لملاحقة قادة أفارقة، أصبحت اليوم تلاحق قضاتها وتفرض عليهم العقوبات.

كما خاضت الولايات المتحدة حربًا مفتوحة ضد مؤسسات التجارة العالمية التي نشأت على أرضها، وقوّضت مؤسسات دعم الديمقراطية والليبرالية عالميًا. فرضت تعريفات جمركية واسعة بعد أن كانت تدعو إلى حرية التجارة، وأوقفت أو مزّقت معظم برامج الدعم المالي المرتبطة بنشر الديمقراطية والليبرالية السياسية في العالم.

كانت الحكمة المؤسسة للنظام الليبرالي العالمي تقوم على أطروحة «السلام الديمقراطي» التي تعود إلى كانط: كلما ازداد عدد الدول الليبرالية الديمقراطية، ازداد السلام في العالم. غير أن هذه النظرية لم تحمِ الهيمنة الأمريكية من صعود منافسين جدد مثل الصين وروسيا والهند، حيث لم تتحقق الديمقراطية الليبرالية رغم محاولات التحرير الاقتصادي والدعم السياسي التي قادتها واشنطن لعقود. هنا بدأ يتشكل وعي أمريكي جديد بفشل هذا النموذج، وبالحاجة إلى استراتيجية تمنع سقوط الولايات المتحدة نفسها، حتى لو كان الثمن هو النظام العالمي الذي أنشأته.

إعتقال رئيس فنزويلا ماذا يعني للسودان وللجنوب العالمي!!

خصوصًا أن منظّرين واقعيين مثل جون ميرشايمر طالما أشاروا إلى حتمية تراجع الإمبراطوريات المهيمنة لصالح قوى صاعدة. ومن هنا جاء التحول الجوهري في الوعي الاستراتيجي الأمريكي: الانسحاب من الدور العالمي الشامل ليس هزيمة، بل محاولة للبقاء. انسحابٌ يحافظ على القوة داخل نطاق نفوذ محدد بدل التمدد المؤدي إلى الانهاك والسقوط.

في هذا السياق، أعادت الولايات المتحدة تركيز استراتيجيتها على ما يُعرف بـ«النطاق الغربي» (Western Hemisphere)، كما أشار كينيث والتز، حيث تُدار الفوضى الدولية عبر مناطق نفوذ واضحة. وهنا تعود «عقيدة مونرو» إلى الواجهة، لا بوصفها أداة لمواجهة الاستعمار الأوروبي كما في القرن التاسع عشر، بل كإطار جديد و هوما يُعيد ترامب اليوم تفعيله لمواجهة القوى الدولية المنافسة والقوى الإقليمية الصاعدة، ورسم حدود النفوذ الأمريكي.

الجنوب العالمي والسودان

يعني هذا التحول أن العالم يُعاد تقسيمه وفق مناطق نفوذ متنافسة. ومن هنا يمكن فهم التحول في الموقف الأمريكي تجاه الوجود الروسي في أوكرانيا، بعد سنوات من المطالبة بانسحاب موسكو الكامل. وسنرى المنطق نفسه يتكرر في بحر الصين الجنوبي وشرق آسيا.

غير أن الشرق الأوسط وأفريقيا يختلفان عن هذه المناطق، إذ لا توجد فيهما قوة مهيمنة واحدة قادرة على فرض نظام نفوذ مستقر. ونتيجة لذلك، ستتحول هذه المناطق (بما فيها السودان ) إلى ساحات تصادم مفتوحة بين قوى إقليمية صاعدة، تُدار فيها الصراعات بالوكالة، ويُترك الجنوب العالمي لثمن هذا التفكك الدولي.

في هذا النظام الجديد، لا يُسأل السودان عمّا يريد، بل يُعاد تعريفه داخل خرائط النفوذ، ما لم يمتلك مشروعًا سياسيًا وسياديًا قادرًا على كسر منطق الوكالة وإعادة تعريف موقعه في العالم.

ذلك أن العصر الذي يتشكل أمامنا ليس عصر القيم ولا المؤسسات ولا الخطاب الأخلاقي، بل عصر القوة الصلبة: احترام الجيوش، والتفوّق العسكري، والتطوّر التكنولوجي في مجالات السلاح والاستخبارات والسيطرة. وهو في الوقت ذاته عصر التكتلات الإقليمية، حيث لا مكان للدول الضعيفة أو المنعزلة خارج تحالفات قادرة على الحماية والمساومة وفرض الكلفة.

في هذا السياق، يصبح بقاء الدول في الجنوب العالمي مرهونًا بقدرتها على بناء قوة ردع، والانخراط في تكتلات إقليمية فاعلة، أو على الأقل امتلاك هامش مناورة يمنع تحويلها إلى مجرد ساحة صراع بين الآخرين. أما الدول التي تفتقد القوة والمشروع معًا، فستظل وقودًا لنظام دولي لا يعترف إلا بمن يملك القدرة على الفرض، لا حق الادعاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى