إقالة المدير العام لهيئة الموانئ البحرية… هل أصبحت ضرورة لاستعادة ثقة العاملين؟!
متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز
كتب- محمد عثمان الرضي
في المؤسسات الكبرى، لا تُقاس قوة الإدارة بحجم القرارات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على صناعة التوافق، واحتواء الخلاف، وإقناع أصحاب المصلحة بعدالة الإجراءات. أما حين يصبح الجدل سيد الموقف، وتتحول النقابة إلى ساحة انقسام، فإن السؤال لا يعود عن الأشخاص، بل عن طريقة إدارة الملف بأكمله.
هيئة الموانئ البحرية ليست مؤسسة عادية يمكن تجاوز ما يدور داخلها باعتباره خلافاً عابراً، فهي القلب الاقتصادي الذي يضخ الحياة في شرايين التجارة السودانية، ومن خلالها تعبر الصادرات والواردات، وإليها تتجه أنظار المستثمرين والمتعاملين مع الاقتصاد الوطني.
ويعمل داخل هذه المؤسسة ما يقارب ثلاثة عشر ألف عامل وموظف، ولكل واحد منهم حق أصيل في أن يجد نقابة يثق فيها، ويطمئن إلى أنها جاءت بإرادته الحرة، لا بترتيبات تفرضها موازين القوى.
ولهذا، فإن أي خلاف حول شرعية التمثيل النقابي لا ينبغي التقليل من شأنه، لأنه يتعلق بحقوق العاملين قبل أن يتعلق بالأسماء أو المناصب.
خلال الأسابيع الماضية، برز اسم الشاب عبود الشربيني باعتباره أحد الوجوه التي تحظى بتأييد شريحة من العاملين، الذين يرون أنه ظل حاضراً في الدفاع عن قضاياهم، ومعبراً عن تطلعاتهم، الأمر الذي دفعهم إلى الالتفاف حوله.
وفي المقابل، أُعلن عن تكوين مكتب تنفيذي آخر للنقابة، وهي خطوة قوبلت باعتراضات من مجموعة من العاملين، الذين اعتبروا أن الإجراءات لم تعكس الإرادة الحقيقية للقواعد، ولم تُبنَ على توافق واسع.
ولم تكتفِ المجموعة المعترضة بإعلان موقفها، بل سلكت الطريق القانوني، وقدمت طعوناً وشكاوى إلى الجهات المختصة، كما نظمت وقفات احتجاجية للمطالبة بإعادة النظر في تكوين الجسم النقابي.
ومع تصاعد الاحتجاجات، ارتفع سقف المطالب إلى حد المطالبة بإقالة المدير العام لهيئة الموانئ البحرية، المهندس جيلاني محمد جيلاني، حيث يرى المحتجون أن الإدارة لم تنجح في إدارة هذا الملف بالحكمة والحياد اللذين تقتضيهما حساسية المرحلة.
سواء اتفق المرء أو اختلف مع هذه المطالب، فإن مجرد وصول الأزمة إلى هذه المرحلة يكشف عن خلل يستوجب التوقف عنده، لأن الإدارة الناجحة لا تنتظر حتى تتسع فجوة الثقة بينها وبين العاملين.
إن إدارة الملفات النقابية لا تقوم على فرض الأمر الواقع، وإنما على كسب الثقة، فالشرعية تُصنع داخل القواعد، ولا تُمنح بالقرارات الإدارية.
وكان لافتاً أن بعض المحتجين لوّحوا بخيارات تصعيدية، من بينها الدعوة إلى إيقاف حركة الميناء إذا لم تجد مطالبهم الاستجابة المطلوبة، وهو تطور يستوجب التعامل معه بعقلانية ومسؤولية، حفاظاً على المصلحة العامة.
فالموانئ البحرية ليست ملكاً لإدارة، ولا لنقابة، ولا لمجموعة بعينها، وإنما هي مرفق سيادي يرتبط بمعاش المواطنين، وحركة التجارة، واستقرار الاقتصاد الوطني.
إن استمرار هذا الملف دون حسم شفاف لن ينتج سوى مزيد من الاحتقان، بينما تحتاج الهيئة اليوم إلى مبادرة جادة تعيد الثقة، وتغلق أبواب الشكوك، وتؤسس لحوار مسؤول بين جميع الأطراف.
كما أن الجهات المختصة مطالبة بالنظر في جميع الطعون والاعتراضات وفق القانون، حتى يطمئن العاملون إلى أن حقوقهم تُصان عبر المؤسسات، لا عبر موازين النفوذ.
أما الإدارة، فإن مسؤوليتها الأولى هي أن تظل على مسافة واحدة من الجميع، لأن الحياد هو رأس مالها الحقيقي، وأي انطباع بغير ذلك يفتح الباب لمزيد من الجدل.
وخلاصة القول، فإن المطالبة بإقالة المدير العام أصبحت، بالنسبة لقطاع من المحتجين، عنواناً لأزمة فقدان الثقة في طريقة إدارة الملف النقابي، وليست مجرد مطلب مرتبط بشخص بعينه. ويبقى الفيصل أن تبادر الجهات المختصة إلى مراجعة الإجراءات بشفافية كاملة، وأن تقول كلمتها وفق القانون. فإن أثبتت التحقيقات سلامة ما جرى، وجب احترام نتائجها، وإن كشفت عن قصور يستوجب المعالجة، فإن اتخاذ القرار المناسب يصبح ضرورة لحماية هيبة المؤسسة واستقرارها. فالموانئ البحرية أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، واستقرارها مسؤولية وطنية لا تقبل التأجيل ولا المجاملة.





