غير مصنف

البيوت التي تُباع الآن في الخرطوم .. ما وراء البيع  

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

كتب – لؤي اسماعيل مجذوب

ما يحدث في سوق العقارات في الخرطوم هذه الأيام لا يمكن قراءته كحركة طبيعية لناس أنهكتهم الحرب وتبحث عن مخرج. الصورة أعمق وأخطر من ذلك بكثير.

حين تُعرض البيوت بهذا الحجم، وبهذا التزامن، وبهذه الرغبة في البيع بأي ثمن مقبول، فالمشكلة لم تعد قرار فرد… بل تحوّلت إلى ظاهرة لها سياق، ولها من يغذيها، ولها من ينتظر نتائجها.

السؤال الحقيقي ليس: لماذا يبيع الناس؟

السؤال الأخطر: من الذي يشتري بهذه الشهية… وفي هذا التوقيت تحديداً؟

في الحروب، الأرض لا تُفقد فقط بالمدافع.

تُفقد حين يُدفع أهلها دفعاً للخروج منها، ثم تُعاد تعبئتها بهدوء، عبر المال.

والمال الذي يظهر بعد الحروب ليس كله مالاً نظيفاً. جزء كبير منه يكون قد خرج من الفوضى، من النهب، من الذهب الذي لم يمر عبر الدولة، من شبكات كانت تعمل خارج القانون، ثم تعود الآن لتبحث عن شكل شرعي للاستقرار… وأفضل شكل هو الأرض.

شراء العقارات هنا لا يعني استثماراً عادياً.

هو تثبيت وجود.

من يشتري بيتاً في حي، لا يشتري جدراناً فقط، بل يشتري موقعاً داخل النسيج الاجتماعي. ومع تكرار العملية، لا تعود المسألة بيع وشراء… بل تبدأ ملامح تغيير صامت في هوية المكان.

وهذا أخطر ما في الأمر.

لأن التغيير الديمغرافي لا يحدث فجأة، ولا يُعلن عنه.

يبدأ ببيوت تُباع، ثم أحياء تتبدل، ثم علاقات جديدة تُفرض، ثم واقع يصبح من الصعب الرجوع عنه.

وحين ينتبه الناس، يكون كل شيء قد اكتمل.

الذي يقرأ ما يحدث بعين أمنية، يرى أن المسألة ليست سوقاً حراً، بل بيئة مثالية لغسيل الأموال.

أموال خرجت من الحرب بلا رقابة، تجد اليوم في العقارات وسيلة لإعادة تدوير نفسها، وتتحول من مال مشبوه إلى أصل ثابت، محمي بالقانون، وصعب الاسترداد.

وهنا تتحول الجريمة من حدث انتهى… إلى واقع مستمر.

الأخطر من ذلك أن هذه الأموال لا تعمل وحدها.

حولها سماسرة، شبكات، عمليات ضغط نفسي على المالكين، تضخيم لمخاوف البقاء، تسويق لفكرة أن “الخروج الآن هو النجاة”.

وبين الخوف والإرهاق، يبدأ المواطن في اتخاذ قرار قد يظنه حلاً فردياً… لكنه في الحقيقة جزء من نتيجة أكبر.

الدولة، إن قرأت المشهد كملف اقتصادي فقط، ستفشل في فهمه.

هذا ملف أمن قومي في المقام الأول.

لأن ما يُباع اليوم ليس عقاراً فقط… بل موقع داخل العاصمة، داخل الدولة، داخل المستقبل.

الدولة التي خرجت من حرب، لا تترك سوق العقارات يعمل بلا ضوابط.

ليس منعاً للناس، بل حماية لما تبقى.

المطلوب ليس قرارات انفعالية، بل إجراءات ذكية وصارمة في نفس الوقت:

أن تُراجع مصادر الأموال في الصفقات الكبيرة، لا عبر أوراق شكلية، بل عبر تحقيقات مالية حقيقية.

أن تُربط عمليات الشراء بسجل ضريبي ومصرفي واضح، لا يُقبل فيه “المال السائل” مجهول المصدر.

أن يُوقف مؤقتاً البيع المكثف في مناطق حساسة لحين ضبط السوق، لأن الأمن لا يُدار بمنطق العرض والطلب.

أن تُراقب حركة السماسرة والوسطاء، لأن كثيراً من عمليات الاختراق تبدأ منهم.

أن تُنشأ قاعدة بيانات لحركة الملكية خلال فترة الحرب وما بعدها، لأن ما لا يُوثق الآن لن يمكن استعادته لاحقاً.

وفي ذات الوقت، لا يمكن ترك المواطن وحده في مواجهة هذا الضغط.

المواطن لا يبيع لأنه لا يحب أرضه، بل لأنه خائف، مرهق، غير واثق مما سيحدث غداً.

وهنا يأتي دور الدولة الحقيقي:

أن تعيد له الشعور بأن البقاء ليس مغامرة، وأن البيع ليس الخيار الوحيد.

التوعية هنا ليست خطاباً عاطفياً.

هي معركة وعي.

يجب أن يفهم الناس أن البيع في هذه اللحظة ليس قراراً عادياً، بل قرار قد لا يمكن التراجع عنه.

أن البيت الذي يخرج من يدك الآن… قد لا يعود إليك ولا إلى غيرك.

أن المال الذي يبدو حلاً سريعاً… قد يتحول إلى ندم طويل.

التاريخ مليء بتجارب شعوب فقدت أرضها ليس لأنها هُزمت عسكرياً، بل لأنها فرّطت فيها تحت ضغط الخوف أو الإغراء.

والذين اشتروا يومها، لم يكونوا يشترون عقارات… بل كانوا يشترون المستقبل.

السودان اليوم يقف على حافة هذا النوع من الاختبار.

إما أن يُدار الملف بعين أمنية واعية، تُدرك أن ما يجري ليس مجرد سوق…

أو يُترك لينمو بصمت، حتى نجد أنفسنا أمام واقع جديد، لا يشبه ما عرفناه.

الأمر ليس دعوة لمنع البيع بالقوة، ولا لتخوين الناس، بل دعوة لإدراك أن اللحظة استثنائية، وأن القرارات التي تُتخذ فيها لا تُقاس بظروفها فقط، بل بنتائجها البعيدة.

لا أحد يلوم من يريد النجاة.

لكن الأوطان لا تُحمى إذا تحولت النجاة الفردية إلى خسارة جماعية.

البيوت التي تُباع اليوم…

ليست مجرد بيوت.

هي خطوط تماس صامتة،

إما أن نحرسها الآن…

أو نبحث عنها لاحقاً

ولا نجدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى