أخبار

الرواية التي تكتبها المستندات.. 

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

رشان اوشي

بدون مقدمات؛ بلادنا اليوم أكثر هشاشة أمام الفساد المالي والإداري. فضعف الرقابة والمؤسسية، وتراجع فاعلية أجهزة المساءلة، كلها عوامل تفتح الباب واسعاً أمام استغلال النفوذ، وتحويل مؤسسات الدولة إلى قنوات لتبديد المال العام.

السودان يعيش اليوم واحدة من أعقد مراحله؛ لذلك فإن اللحظة تستدعي تنوير قيادة الدولة، المنشغلة بالحرب، عبر الرأي العام، حول شبهات مخالفات مالية وإدارية داخل شركات ومؤسسات حكومية، ونبدأ سلسلة مقالاتنا، بحكاية شركة “شيكان” للتأمين، إحدى المؤسسات الحكومية المعروفة في قطاع التأمين.

تشير المعلومات والمستندات التي تحصلنا عليها إلى عدة مخالفات وتجاوزات. أولها: عملية تحويل مالي ضخم جرت من حساب الشركة بفرع الحصاحيصا إلى حساب شخصي للمدير العام. والأخطر في هذا الأمر أن عملية التحويل تمت باستخدام توقيعات موظفين لم يعودوا في الخدمة.

إذ جرى استخدام توقيع مدير فرع الحصاحيصا السابق (ر. ع. ح)، الذي ترك العمل بالشركة منذ العام ٢٠٢٤م، إضافة إلى توقيع المحاسب بفرع مدني (م. أ) دون علمه، بحسب إفادة المصادر. كما استُخدمت توقيعات أخرى لموظفين سابقين، من بينهم المدير المالي السابق، ومدير قطاع العمليات الفنية السابق (ع. أ)، وهي توقيعات يقال إنها ما تزال محفوظة لدى مسؤول النظم الذي يتولى طباعة الخطابات وإرفاقها.

مثل هذه الممارسات تندرج تحت طائلة جرائم التزوير وغسل الأموال وفق أحكام القانون الجنائي السوداني، فضلاً عن مخالفتها للضوابط التي تفرضها الوحدة المالية بالبنك المركزي، والتي تشدد على ضرورة توثيق العمليات المالية ومنع أي تحويلات تفتقر إلى الشفافية والاعتماد المؤسسي السليم.

وتزداد الشبهات تعقيداً،إذ جرى نقل مسؤول الالتزام المؤسسي والحوكمة بعد خلاف مع المدير العام حول ملفات تتعلق بالأسهم والسندات المقيدة لدى مراقب التأمين، ثم فصله عن الخدمة لاحقا. و تكليف موظف آخر بالمهمة، من أجل تمرير إجراءات مالية كان يفترض أن تخضع لتدقيق صارم.

ولا تقف الأمور عند هذا الحد. فهناك معلومات موثقة عن إنفاق مالي كبير على دورة تدريبية خارجية في المملكة العربية السعودية، سافر إليها عدد من موظفي الشركة. وتشير المعلومات إلى أن كل مشارك حصل على ما يقارب ألفي يورو كمصروفات نثرية، إلى جانب تكاليف السفر والإقامة ورسوم التدريب.

غير أن المفاجأة، وفق المصادر، أن المدربين في الدورة كانوا من موظفي الشركة أنفسهم الذين سافروا مع المجموعة على الرحلة ذاتها. وهو ما يطرح سؤالاً بسيطاً: لماذا لم تعقد الدورة داخل السودان، أو حتى في قاعة بفندق في بورتسودان، بدلاً من تحميل شركة حكومية هذه التكاليف الباهظة؟.

كما تشير معلومات موثقة إلى تحويل أرباح أسهم للشركة في بنك أم درمان إلى حساب جهة حكومية أخرى. وبحسب المصادر، أوقفت العملية لاحقاً وأُعيدت الأموال إلى حساب الشركة بعد اعتراض الموظف المختص على سلامة الإجراءات المتبعة.

وفي ملف آخر، سبق أن أنكرت إدارة الشركة معلومات عن استئجار مقر لها بالدولار. غير أن بحوزتنا مستندات تؤكد سداد إيجار عدة أشهر بما يعادل القيمة بالعملة المحلية وفق سعر السوق الموازية، وهي ممارسة تثير علامات استفهام حول مدى الالتزام بالقواعد المالية والمحاسبية المعمول بها في المؤسسات الحكومية.

إن خطورة مثل هذه الوقائع لا تكمن فقط في حجم الأموال أو تفاصيل المخالفات، بل في الرسالة التي تبعثها للمجتمع. فحين يشعر المواطن أن مؤسسات الدولة تدار بهذه الطريقة، فإن الثقة العامة تتآكل، وتصبح مكافحة الفساد شعار بلا مضمون.

 

لهذا السبب، فإن مثل هذه القضايا تتطلب تحقيق شفاف ومستقل، يضع الحقائق أمام الرأي العام. فالدول التي تمر بمرحلة انتقالية لا تحتمل رفاهية التساهل مع الفساد؛ لأن كل جنيه مهدور هو، في الحقيقة، اقتطاع من حق المواطن في الخدمات والاستقرار.

وفي النهاية تبقى الحقيقة البسيطة: لا يمكن لدولة أن تبني اقتصاد معافى أو مؤسسات مستقرة بينما يُدار المال العام بعيداً عن قواعد الشفافية والمساءلة. فمكافحة الفساد ليست معركة أخلاقية فحسب، بل شرط أساسي لبقاء الدولة نفسها.

 

محبتي واحترامي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى