المقالات

السفير/ رشاد فراج الطيب: الغزوة الأمريكية لفنزويلا.. سقوط جديد للقانون والنظام الدولي

متابعات | تسامح نيوز 

السفير/ رشاد فراج الطيب: الغزوة الأمريكية لفنزويلا.. سقوط جديد للقانون والنظام الدولي

السفير رشاد فراج الطيب

ما جرى في كراكاس ، وفق ما أُعلن رسميًا في واشنطن وتداولته وسائل إعلام دولية ، وما تبع ذلك من ردود أفعال داخلية وخارجية ، لا يمكن النظر إليه بوصفه عملية عسكرية معزولة أو إجراءً أمنيًا استثنائيًا ، بل يمثل في دلالاته الأعمق لحظة كاشفة عن التحول الخطير الذي يطرأ على مفهوم الشرعية الدولية ، وعلى طبيعة استخدام القوة في النظام العالمي المعاصر .

السفير/ رشاد فراج الطيب: الغزوة الأمريكية لفنزويلا.. سقوط جديد للقانون والنظام الدولي

فالقصف الذي طال العاصمة الفنزويلية ، وما أُعلن عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله قسرًا خارج بلاده ، نقل الصراع من مستوى الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية إلى مستوى الفعل العسكري المباشر ، بما يحمله ذلك من آثار قانونية وسياسية وأخلاقية بعيدة المدى .

داخل الولايات المتحدة نفسها ، لم يمر الحدث دون ارتدادات عميقة .

فسرعان ما انقسم المشهد السياسي بين من رأى في العملية تأكيدًا على قدرة الدولة الأميركية على فرض إرادتها وملاحقة خصومها خارج الحدود ، ومن اعتبرها تجاوزًا صارخًا للدستور الأميركي ولصلاحيات الكونغرس ، وانتهاكًا لقانون صلاحيات الحرب الذي قُصد به أصلًا كبح اندفاع السلطة التنفيذية نحو مغامرات عسكرية غير محسوبة .

هذا الانقسام لم يكن تقنيًا أو إجرائيًا فحسب ، بل مسّ جوهر النقاش الأميركي القديم حول دور الولايات المتحدة في العالم ، هل هي دولة تخضع للقانون وتعمل من خلال المؤسسات ، أم قوة استثنائية ترى نفسها فوق القيود عندما تقتضي مصالحها ذلك ؟

السفير/ رشاد فراج الطيب: الغزوة الأمريكية لفنزويلا.. سقوط جديد للقانون والنظام الدولي

وقد عبّر عدد من القانونيين وأعضاء الكونغرس ووسائل الإعلام الكبرى عن خشية حقيقية من أن تكون السابقة قد فُتحت على نحو يصعب ضبطه لاحقًا ، بما يعرّض النظام الدستوري الأميركي نفسه لتآكل تدريجي باسم الأمن القومي .

خارجيًا ، جاءت ردود الأفعال أكثر حدّة واتساعًا .

فدول أميركا اللاتينية ، بما فيها تلك التي لا تخفي خلافها السياسي العميق مع كاراكاس ، نظرت إلى ما جرى بوصفه عودة فجة إلى منطق الهيمنة القديمة ، واستدعاءً لحقبة التدخلات العسكرية والانقلابات العابرة للحدود التي عانت منها المنطقة لعقود طويلة .

أما روسيا والصين ، فقد وجدت في الحدث مادة سياسية جاهزة لتعزيز خطابها القائل إن النظام الدولي القائم ليس سوى أداة في يد القوى الغربية ، وإن الحديث عن السيادة والقانون الدولي يُستدعى انتقائيًا ويُهمَل حين يتعارض مع مصالح واشنطن .

حتى داخل المعسكر الغربي ، بدت مواقف أوروبية عديدة حذرة ومربكة ، تحاول الموازنة بين التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وبين الالتزام المعلن بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

من الناحية القانونية ، فإن ما أُعلن عنه يضع النظام الدولي أمام إشكال بالغ الخطورة .

فاختطاف رئيس دولة بالقوة العسكرية ، خارج أي تفويض أممي أو مسار قضائي دولي معترف به ، يمثّل انتهاكًا مباشرًا لمبدأ السيادة ، ولحصانة رؤساء الدول ، وللقواعد الأساسية التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية .

الأخطر من ذلك أن تحويل الاتهام الجنائي مهما كانت طبيعته إلى مبرر لاستخدام القوة المسلحة يفتح الباب أمام فوضى قانونية ، يصبح فيها من حق أي دولة قوية أن تنصّب نفسها قاضيًا وجلادًا في آن واحد .

وإذا ما استُبيحت هذه القاعدة ، فإن ما يتداعى ليس حالة فنزويلا وحدها ، بل فكرة الدولة ذاتها في القانون الدولي .

أما الأمم المتحدة ، فقد بدت مرة أخرى في موقع العاجز عن الفعل ، الحاضر في البيانات والغائب عن القدرة على الردع .

ومهما يكن مضمون النقاشات في مجلس الأمن ، فإن العبرة ليست في الكلمات ، بل في ما إذا كانت المنظمة قادرة فعليًا على حماية أحد أعضائها من عمل عسكري أحادي من هذا النوع .

وفي حال العجز ، فإن مصداقية النظام الأممي تتعرض لضربة جديدة ، تضاف إلى سجل طويل من الإخفاقات ، وتدفع دولًا كثيرة إلى إعادة حساباتها بشأن جدوى الالتزام بقواعد لا تُطبَّق على الجميع .

وعلى مستوى السمعة الاستراتيجية ، فإن الولايات المتحدة ، التي قدّمت نفسها لعقود بوصفها حارسة “النظام الدولي القائم على القواعد” ، تجد نفسها اليوم أمام اتهام واسع النطاق بأنها أول من ينتهك هذه القواعد حين تتعارض مع حساباتها السياسية .

وهو ما يضعف خطابها الأخلاقي ، ويمنح خصومها ذخيرة دعائية فعّالة ، ويعمّق فجوة الثقة بينها وبين قطاعات واسعة من دول الجنوب العالمي ، التي ترى في ما جرى تأكيدًا عمليًا لازدواجية المعايير لا مجرد ادعاء نظري .

في المحصلة ، فإن ما حدث في كراكاس ، كما عُرض في الروايات الرسمية وما أعقبه من ردود أفعال ، يتجاوز كونه أزمة ثنائية بين واشنطن وكاراكاس ، ليغدو اختبارًا قاسيًا لمستقبل النظام الدولي ذاته .

اختبارٌ يُطرح فيه سؤال جوهري هل ما زال العالم محكومًا بقواعد متفق عليها ، أم أننا دخلنا مرحلة تُعاد فيها صياغة الشرعية على أساس موازين القوة وحدها ؟

والإجابة عن هذا السؤال لن تتوقف عند حدود فنزويلا ، بل ستنعكس على استقرار العالم كله في السنوات القادمة .

السفير/رشاد فراج الطيب

باحث في التحولات الجيوسياسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى