السفير/ رشاد فراج الطيب : إستبدال الجيش وحزم السعودية .. أعادا تعريف مايجري في السودان والإقليم
متابعات | تسامح نيوز

السفير/ رشاد فراج الطيب : إستبدال الجيش وحزم السعودية .. أعادا تعريف مايجري في السودان والإقليم
لم تعد الحرب الدائرة في السودان قابلة للفصل عن سياقها الإقليمي الأوسع ، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها نزاعاً داخلياً محدود الأثر .
فالتطورات المتسارعة على الأرض ، وما أفرزته من انتصارات نوعية ومتراكمة للجيش السوداني ، تزامناً مع تحولات لافتة في مواقف قوى إقليمية وازنة ، وعلى رأسها السعودية ، بدأت تعيد صياغة المشهد السياسي المحيط بالسودان ، وتفرض على العواصم الاقليمية المترددة مراجعة حساباتها .
لقد أعاد الواقع الميداني تعريف طبيعة الصراع ، ليس بوصفه تنافساً بين أطراف سودانية متنازعة ، بل باعتباره مواجهة مفتوحة بين منطق الدولة الوطنية ومؤسساتها ، وبين مشروع تفكيكي عابر للحدود ، يعتمد على المليشيات كأداة للنفوذ ، وعلى إضعاف الجيوش النظامية كمدخل لإعادة هندسة الإقليم .

ومع كل تقدم يحققه الجيش السوداني ، تتآكل السردية التي حاولت تقديم الحرب كصراع متكافئ بين طرفين ، وتتراجع إمكانية تسويق أي مسار سياسي يقوم على مساواة مؤسسة الدولة الشرعية بكيانات مسلحة نشأت خارجها وتحيا بدعم خارجي .
هذا التحول في ميزان القوة لم يكن عسكرياً فحسب ، بل حمل دلالات سياسية عميقة .
فقد بات واضحاً أن الرهان على إنهاك الدولة السودانية أو دفعها إلى تسوية قسرية تعيد إنتاج الفوضى لم يعد مضمون النتائج ، وأن استمرار الدعم الإقليمي للمليشيات سيترتب عليه كلف سياسية وأمنية متصاعدة ، ليس في السودان وحده ، بل على امتداد الإقليم ، من البحر الأحمر إلى العمق الإفريقي .
في هذا السياق ، جاء الموقف السعودي الحازم من التدخل الإماراتي في اليمن ليشكّل نقطة تحوّل مفصلية .
فلم يكن ذلك الموقف مجرد تباين تكتيكي داخل معسكر واحد ، بل إعلاناً صريحاً عن رفض نمط من إدارة النفوذ الإقليمي يقوم على تقويض الدول من الداخل ، وبناء شبكات موازية للسلطة الشرعية .
الرسالة السعودية ، في جوهرها ، كانت أن الأمن القومي لا يُدار عبر المليشيات ، وأن الفوضى المُدارة سرعان ما تنفلت من عقالها وتضرب الجميع دون استثناء .

هذا التحول السعودي كسر غطاءً سياسياً ظلّ يوفر ، لسنوات ، مظلة لمشاريع التفكيك في أكثر من ساحة ، وفتح المجال أمام دول أخرى لإعادة تموضعها دون خشية من العزلة أو الاتهام بالخروج عن الإجماع .
وفي هذا الإطار ، يمكن فهم التحول التدريجي ، ثم المتسارع ، في الموقف الرسمي المصري تجاه ما يجري في السودان .
فالقاهرة ، التي التزمت طويلاً خطاباً حذراً اتسم بالتوازن والتماهي مع موقف خليجي داعم للرباعية ، وجدت نفسها أمام معادلة جديدة ، انتصارات جيش سوداني يعيد فرض منطق الدولة وتصحيح سردية أسباب الحرب والعدوان علي السودان ، وموقف سعودي يضيق الخناق على مشاريع النفوذ القائمة على المليشيات المدعومة من الامارات والتي باتت تتحرك علي مقربة من حدود ومصالح المملكة مباشرة في حضرموت والبحر الاحمر والسودان ، وبيئة إقليمية باتت أقل تسامحاً مع استمرار الفوضى .
ومع هذه المتغيرات ، أصبح من الصعب استمرار السياسة المصرية القديمة التي مالت إلى دعم مسارات مثل “الرباعية” ، التي تحظي بدفع إماراتي قوي ، وسعت إلى إعادة صياغة الصراع في إطار تفاوضي يتجاهل جوهره الحقيقي ويتحكم في مسار الحرب وسيناريو مابعد الحرب .
وقد انعكس هذا التحول بوضوح في النبرة الجديدة للموقف المصري ، كما تجلى في التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية المصري خلال مؤتمره الصحفي المشترك مع وفد الاتحاد الأوروبي الذي زار القاهرة مؤخرا .
فهذه التصريحات لم تكتفِ بالتعبير عن القلق أو الدعوة العامة لوقف الحرب ، بل حدّدت بوضوح الخطوط الحمراء للأمن القومي المصري في السودان وهي رفض قاطع لتقسيم البلاد ، وتمسك لا لبس فيه بالحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية وفي مقدمتها الجيش ، رفض مطلق لقيام أي كيان موازٍ للحكومة الشرعية ، وعدم القبول بمساواة المليشيات بالمؤسسة العسكرية تحت أي غطاء سياسي أو تفاوضي .
وهي ثوابت تعكس انتقالاً واضحاً من منطق إدارة الأزمة إلى منطق تحديد الموقف .
بالتوازي مع ذلك ، تشهد المنطقة تحولات جيوسياسية أعمق ، يجري بناؤها بعيداً عن الأضواء ، لكنها تحمل آثاراً بعيدة المدى .
فثمّة اصطفاف آخذ في التبلور بين السعودية وتركيا ومصر ، يقوم على إدراك مشترك بأن استقرار الإقليم لم يعد ممكناً في ظل مشاريع التفكيك وإضعاف الدول المركزية ، وأن التعايش مع شبكات النفوذ العابرة للسيادة بات يشكل تهديداً وجودياً لا يمكن احتواؤه .
هذا الاصطفاف ، وإن لم يُعلن في صيغة تحالف رسمي ، إلا أنه يعكس تقاطعاً استراتيجياً في المصالح والرؤى ، ويضع حدوداً واضحة أمام المشروع الإماراتي المدعوم إسرائيلياً ، والذي راهن على إعادة تشكيل الإقليم عبر أدوات متعددة سياسية وعسكرية .
وتشير المؤشرات إلى أن المنطقة مقبلة على تحولات درامية في توازنات القوة ، بفعل المواجهة المتصاعدة بين المشروعين السعودي والإماراتي حول النفوذ السياسي والزعامة الإقليمية .
ففي حين يسعى المشروع السعودي إلى إعادة بناء النظام الإقليمي على أسس الدولة والاستقرار والتوازن ، يواجه المشروع الإماراتي تراجعاً متزايداً بعد انكشاف كلفته في اليمن ، وتآكل رهاناته في السودان ، واتساع دائرة الرفض الإقليمي لأساليبه وأدواته نسبة لارتباطه العضوي بإسرائيل .
إن تلاقي انتصارات الجيش السوداني مع تطور الموقفين السعودي والمصري ، لا يعكس مجرد تقاطع ظرفي ، بل يؤسس لمعطى استراتيجي جديد .
ومع استمرار هذا المسار ، تتضاءل فرص نجاح المشروع الهادف إلى تفكيك السودان أو إخضاعه لمعادلات النفوذ الخارجي ، وتتزايد احتمالات هزيمته ، ليس في السودان فحسب ، بل في الإقليم ككل ، كما بدأت ملامح ذلك تتكشف عقب ما جرى في جنوب اليمن ومايجري في القرن الافريقي .
في المحصلة ، ما نشهده اليوم ليس مجرد تبدل في اللهجة أو إعادة ترتيب تكتيكية للمواقف ، بل تحوّل عميق في منطق إدارة الإقليم .
السودان ، الذي طالما جرى التعامل معه كساحة اختبار أو منطقة عازلة ، يفرض نفسه مجدداً كدولة محورية في معادلة الأمن الإقليمي .
ومع انحسار المساحات الرمادية ، يجد الفاعلون الإقليميون أنفسهم أمام خيار واضح لا يحتمل التأجيل ، إما الانحياز الصريح لمنطق احترام سيادة الدولة الوطنية ومؤسساتها ، أو القبول بفوضى ممتدة ستعيد رسم الخرائط على نحو لا يضمن سلامة أحد .
السفير/ رشاد فراج الطيب
باحث في التحولات الجيوسياسية





