المقالات

السفير /رشاد فراج الطيب : السعودية والسودان .. تحالف من أجل الأمن والاستقرار

متابعات_تسامح نيوز

في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب ، تتداخل فيها مسارات الصراع مع حسابات الجغرافيا السياسية ، تبرز ضرورة ترفيع التعاون الثنائي بين السودان والمملكة العربية السعودية بوصفه خياراً استراتيجياً لا يحتمل التأجيل ، وليس مجرد استجابة ظرفية لتطورات آنية .

فالتحديات التي تواجه البلدين اليوم لم تعد محصورة داخل حدودهما الوطنية ، بل باتت جزءاً من معادلة أمن مشترك يمتد من القرن الأفريقي إلى جنوب البحر الأحمر ، ويطال الأمن القومي العربي برمته .

إن الإقليم المحيط بالبحر الأحمر يشهد إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة ، بفعل تصاعد التنافس الدولي على الممرات البحرية ، وتنامي أدوار قوى إقليمية تسعى لملء فراغ الدولة في بعض المناطق ، إضافة إلى انتشار المليشيات العابرة للحدود ، وتهديدات الإرهاب والقرصنة ، وتفكك السلطة الوطنية في عدد من دول القرن الأفريقي .

وفي هذا السياق ، يصبح أمن السودان والسعودية مترابطاً عضوياً ، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح ، بحيث لا يمكن تصور استقرار أحدهما بمعزل عن الآخر .

ويمثل البحر الأحمر جوهر هذه المعادلة الأمنية .

فهو ليس فقط شرياناً حيوياً للتجارة العالمية وأمن الطاقة ، بل مسرحاً مفتوحاً للتجاذبات الدولية.

والسودان ، بما يملكه من ساحل استراتيجي وموقع محوري على الضفة الأفريقية ، والسعودية بثقلها السياسي والعسكري وموقعها القيادي في الإقليم ، يشكلان معاً ركيزة أساسية لأي منظومة إقليمية تسعى إلى حماية هذا الممر الاستراتيجي من الفوضى أو الهيمنة الخارجية .

ومن هنا تكتسب فكرة تطوير التعاون العسكري والأمني بين البلدين بعداً وقائياً وردعياً لكل طامع في النفوذ والهيمنة علي حساب أمن البلدين ، كما يهدف إلى حفظ الاستقرار لا إلى إشعال الصراعات .

وليس هذا التعاون وليد اللحظة ، بل يستند إلى تجربة قائمة وشراكة عملية ، إذ إن السودان منخرط بالفعل مع المملكة العربية السعودية في التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن ، انطلاقاً من قناعة راسخة بأهمية منع سقوط الدول في قبضة المليشيات والمشروعات العابرة للحدود .

وقد مثّل هذا الانخراط تعبيراً واضحاً عن التزام السودان بأمن المنطقة وبمبدأ الدفاع المشترك عن الشرعية والاستقرار .

واليوم ، يجد السودان نفسه في وضعية معقدة ، تتطلب دعماً حقيقياً لشرعيته الوطنية وسيادته ووحدة دولته ، في مواجهة حرب مدمرة ومحاولات تفكيك الدولة وتحويلها إلى ساحة صراع مفتوح .

وفي هذا الإطار ، فإن ترفيع التعاون مع السعودية ، ولا سيما في المجالين العسكري والأمني ، يبعث برسالة سياسية واضحة مفادها أن استقرار السودان جزء لا يتجزأ من استقرار الإقليم ، وأن انهيار الدولة السودانية لن يكون شأناً داخلياً معزولاً ، بل تهديداً مباشراً لأمن البحر الأحمر والخليج والقرن الأفريقي .

كما أن اتفاقيات الدفاع والتعاون العسكري لا تُفهم هنا بمنطق التحالفات العدوانية ، بل في إطار الردع الوقائي ، وبناء القدرات ، وتبادل الخبرات ، وتعزيز التنسيق الاستخباراتي ، بما يحفظ سيادة الدول ويحد من التدخلات السلبية .

وهي في الوقت ذاته ، مدخل طبيعي لتوسيع الشراكة الاستراتيجية في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتنمية ، إذ لا تنمية بلا أمن ، ولا استقرار اقتصادي دون دولة قادرة ومحمية .

ولا يمكن قراءة العلاقات السودانية-السعودية بمعزل عن عمقها التاريخي والوجداني .

فالمملكة العربية السعودية تحتل مكانة خاصة في وجدان أهل السودان ، بوصفها قبلة المسلمين ، وحاضنة الحرمين الشريفين ، ومرجعية روحية قبل أن تكون قوة سياسية واقتصادية .

هذه المكانة أضفت على العلاقات بين البلدين بعداً أخلاقياً وحضارياً ، يتجاوز الحسابات الضيقة ، ويمنح التعاون بينهما شرعية شعبية وثقة متبادلة تراكمت عبر العقود .

وفي هذا السياق ، تحظى الجهود السعودية الرامية إلى إحلال السلام في السودان بتقدير واسع ، سواء عبر رعاية المبادرات السياسية ، أو استضافة مسارات التفاوض كما حدث في جدة في بداية الحرب ، أو تقديم الدعم الإنساني في أحلك الظروف .

وهي جهود تعكس إدراكاً سعودياً بأن استقرار السودان ليس مصلحة سودانية فحسب ، بل ركيزة أساسية لأمن المنطقة العربية والإسلامية.

خلاصة القول ، إن ترفيع التعاون الثنائي بين السودان والمملكة العربية السعودية ، وتطويره إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة ، بما في ذلك التعاون العسكري والدفاعي بخاصة ، لم يعد ترفاً سياسياً أو خياراً مؤجلاً ، بل ضرورة تفرضها التحولات الجيوسياسية المحيطة ، وتشابك التهديدات ، وحتمية بناء منظومة أمن إقليمي قائمة على الدول الوطنية لا على الفوضى .

وفي عالم يتجه نحو مزيد من اللايقين والفوضي ومنطق القوة ، يبقى الرهان على العلاقات الراسخة ، والتحالفات الشرعية ، والتعاون العربي – العربي ، هو الطريق الأكثر عقلانية لحماية السيادة ، وصون الأمن ، وبناء مستقبل أكثر استقراراً للسودان والسعودية والأمن الإقليمي بأسره .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى