المقالات

السفير/ رشاد فراج الطيب : دعم الجيش + تشجيع العودة =

استعادة الدولة وحراسة النصر

السفير/ رشاد فراج الطيب : دعم الجيش + تشجيع العودة = استعادة الدولة وحراسة النصر

في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الدول ، لا يكون الخطر الأكبر هو الهزيمة العسكرية ، بل ضياع معنى الانتصار أو العجز عن تحويله إلى دولة ، ومؤسسات ، واستقرار دائم .السفير/ رشاد فراج الطيب : دعم الجيش + تشجيع العودة = استعادة الدولة وحراسة النصر

والسودان اليوم يقف عند هذه اللحظة الفاصلة ؛ لحظة لا تحتمل التردد ولا المزايدات ، لأن كلفتها ليست سياسية فحسب ، بل وجودية .

إن دعم الجيش في هذا التوقيت الدقيق ، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انحيازًا عاطفيًا أو اصطفافًا أيديولوجيًا ، بل بوصفه دفاعًا عن آخر أعمدة الدولة الوطنية .

فالجيش يظل هو المؤسسة الجامعة التي من دونها تتفكك الجغرافيا ، وتضيع السيادة ، وتتحول البلاد إلى مسرح مفتوح للفوضى والوصاية والتدخلات الخارجية .

والتجارب القريبة في الإقليم ماثلة للعيان ، حيث سقطت دول كاملة حين جرى تفكيك جيوشها تحت شعارات براقة وخادعة ، انتهت إلى فراغ أمني وسياسي لم يُملأ إلا بالميليشيات والخراب .

لكن دعم الجيش وحده ، مهما كان ضروريًا ، لا يكفي لاستعادة الدولة ما لم يقترن بدعم واضح وصريح لمسار العودة ، العودة إلى الوطن ، إلى المؤسسات ، إلى الحياة الطبيعية

وإلى فكرة الدولة بوصفها إطارًا جامعًا لا غنيمة حرب .

فالانتصار العسكري الذي لا يُستكمل بعودة الدولة إلى أداء وظائفها الأساسية ، يبقى انتصارًا ناقصًا و هشًا ، وقابلًا للانتكاس في أول اختبار .

إن العودة هنا ليست مجرد عودة موظفين أو فتح مقار رسمية ، بل عودة المعنى السياسي للدولة و سيادة القانون ، انتظام الخدمة العامة ، ضبط السلاح وتحقيق الأمن ، واستعادة ثقة المواطن في أن هناك دولة تحميه وتدير شؤونه وتوفر له الخدمات .

ومن دون هذه العودة ، يتحول الانتصار إلى حدث عابر ، ويظل المجتمع معلقًا بين الحرب والسلام ، عاجزًا عن الانتقال إلى مرحلة البناء .

وفي هذا السياق ، تتعاظم مسؤولية أهل الصحافة والإعلام والكلمة وقادة الأحزاب والعمل السياسي ، إذ لم تعد الكلمة ترفًا أخلاقيًا ولا مساحة للحياد البارد .

فالإعلام اليوم إما أن يكون شريكًا في استعادة الدولة ، أو شاهد زور على تفككها .

والمطلوب من الصحافة والاقلام الوطنية أن تتحرر من منطق الإثارة والاستقطاب ، وأن تنحاز بوعي ومسؤولية لفكرة ترسيخ الدولة ، ولدعم الجيش في معركته الوجودية ، ولدعم برامج الحكومة المدنية الهادفة إلى العودة والاستقرار وإعادة تشغيل مؤسسات الدولة .

كما أن الأحزاب السياسية مدعوة إلى مغادرة ساحات المعارك الصغيرة والمكاسب الضيقة ، والارتفاع إلى مستوى اللحظة التاريخية ، بوصفها شريكة في حراسة الانتصار لا منازعة على غنائمه .

 

فالسودان الجريح لا يملك ترف الوقت ، وكل تأخير في الاصطفاف الوطني الواعي هو إسهام مباشر في إطالة أمد الأزمة واستنزاف ما تبقى من فرص الخلاص .

 

والأخطر من ذلك أن غياب التلازم بين دعم الجيش ودعم العودة يفتح الباب أمام قوى لا تريد للسودان أن يستقر ، ولا أن يستعيد عافيته كدولة ذات قرار مستقل .

 

قوى تراهن على إطالة أمد الفوضى ، أو إعادة إنتاج الصراع بأدوات جديدة ، أو اختطاف النصر وتحويله إلى صراع على السلطة والغنائم .

 

وهنا تحديدًا تتحدد مسؤولية النخب السياسية والمجتمعية ، إما الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية ، أو المشاركة عن قصد أو عن غفلة في تبديد تضحيات جسيمة دفعها الشعب السوداني .

 

إن حراسة الانتصار لا تكون بالشعارات ، ولا بتصفية الحسابات ، ولا بإعادة إنتاج الاستقطاب والخلافات ، بل ببناء توافق وطني عريض حول أولوية الدولة ، ووحدة المؤسسات ، والانتقال المنظم من منطق الحرب إلى منطق السياسة والأمن والتراضي الوطني .

فالجيش يحمي الدولة ، لكن الدولة وحدها هي التي تعطي للانتصار معناه ، وتمنحه الاستدامة.

في السودان اليوم ، دعم الجيش ودعم العودة ليسا مسارين منفصلين ، بل وجهان لمعركة واحدة ، معركة استعادة الدولة من الفوضى ، وحماية الانتصار من الضياع ، وفتح أفق جديد لبلد أنهكته الحروب ، لكنه لم يفقد بعد حقه في الحياة ، ولا حقه في الأمل .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى