
السفير/ رشاد فراج الطيب: سقوط فزاعة معاداة السامية
السفير رشاد فراج الطيب
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ظلّت عبارة “معاداة السامية” تُستخدم في الغرب كرمز أخلاقي يُذكّر بواحدة من أبشع جرائم القرن العشرين. غير أنّ هذا المصطلح تحوّل تدريجيًا من درعٍ لحماية اليهود من الكراهية إلى سلاح سياسي وإعلامي وقانوني يوظَّف لصدّ أي نقدٍ يُوجَّه إلى إسرائيل أو لمساءلة جرائمها في الأراضي الفلسطينية. فقد نجحت الحركة الصهيونية،
عبر آلة إعلامية ضخمة ومنظومات ضغطٍ متشابكة، في تحويل هذا الاتهام إلى فزّاعةٍ ترهب السياسيين والمثقفين، وتغلق أبواب الحوار في وجه كل من يتجرأ على كشف حقيقة ما يجري تحت راية “الدفاع عن النفس”.
كان العالم الغربي، الذي غرق في عقدة الذنب بعد الهولوكوست، مستعدًا لأن يمنح إسرائيل حصانةً أخلاقية لا تُمسّ. لكن الزمن تغيّر، والوعي تغيّر، وأجيالٌ جديدة في الغرب بدأت تميّز بين اليهودية كدينٍ وبين الصهيونية كأيديولوجيا سياسية.

هذه الأجيال لم تعد ترى في كل نقدٍ لسياسات الاحتلال تعبيرًا عن كراهيةٍ دينية، بل موقفًا إنسانيًا وحقوقيا مناصرًا للعدالة ورافضًا للعنف. لقد فتحت حركات العدالة الاجتماعية في أمريكا وأوروبا الباب واسعًا أمام هذا التحول؛ من حركة “حياة السود مهمة” إلى احتجاجات الجامعات، أصبح صوت الشباب يقول بوضوح: لا يمكن أن ندين العنصرية في بلدٍ ونبررها في بلدٍ آخر.
داخل الأوساط اليهودية ذاتها، ظهرت أصوات ترفض احتكار إسرائيل للحديث باسم اليهود، مثل جماعة Jewish Voice for Peace وغيرها، وهي أصوات شجاعة تؤكد أن احترام الدين اليهودي لا يعني السكوت عن دولةٍ تمارس الحصار والقتل وتجويع المدنيين. هذه التحولات العميقة بدأت تُسقط ببطءٍ جدار الخوف الذي أقامته الصهيونية حول نفسها، وبدأت تكشف هشاشة الرواية التي ادعت المظلومية المطلقة ودور الضحية لتبرير الاحتلال الدائم.
إنّ ما نراه اليوم من تحوّل في الإعلام الغربي، ومن تراجعٍ في التأييد الشعبي لإسرائيل، ليس سوى بداية انكشافٍ لروايةٍ استندت طويلاً إلى استدرار التعاطف بدل مواجهة الحقائق. فصور الأطفال تحت الأنقاض، والنساء الهاربات من القصف، والمستشفيات المهدمة، تجاوزت قدرة أي دعاية على التبرير. لم يعد العالم يصدق أن جيشًا يقتل المدنيين بالجملة يمكن أن يكون “جيش الدفاع”، ولم تعد عبارة “معاداة السامية” كافيةً لإسكات الضمير الإنساني.

سقوط هذا السلاح لا يعني نفي وجود الكراهية ضد اليهود، فهي حقيقة تاريخية يجب رفضها كمبدأ دائمًا. لكنه يعني أن الوقت حان لتحرير النقاش من الابتزاز الأخلاقي، وأن تُحاسَب إسرائيل مثل أي دولةٍ أخرى وفق القانون الدولي ومبادئ العدالة. الكرامة الإنسانية لا تُجزّأ، والمأساة لا تُبرر مأساة أخرى، والاضطهاد لا يمنح صاحبه رخصة لاضطهاد غيره.
لقد استُخدم مصطلح “معاداة السامية” طويلًا كجدارٍ مزيف يحجب الحقيقة، لكنّ الجدار بدأ يتصدع. وها هي أصوات الحرية ترتفع من جامعات نيويورك إلى شوارع لندن وباريس، معلنة أن الخوف من التهمة الجاهزة لم يعد يُخيف أحدًا. العالم يتغيّر، والرواية تتهاوى، والتاريخ يعيد التوازن إلى ميزانه. فمن يقف اليوم مع العدالة والحق الإنساني لا يمكن أن يُتَّهم بالكراهية، بل هو من ينقذ معنى الإنسانية من التزييف والازدواجية في المعايير.
لقد أصبحت دولة الاحتلال الإسرائيلي ومن خلفها المشروع الصهيوني برمته عبئا ثقيلا علي الضمير الإنساني وعلي منظومة القيم الأخلاقية والحضارية وان الاستمرار في دعم هذا الظلم التاريخي يهدد صدقية المنظومة القيمية وبخاصة للغرب الذي أقام ودعم دولة الفصل العنصري والتمييز لمدة ثمانين عاما حسوما حتي الآن هاهو اليوم تتسابق دوله وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا والمانيا
للاعتراف بدولة فلسطين .
فهل اقترب جدار الزيف وفزاعة كراهية السامية من السقوط الداوي .
(لايقاتلونكم جميعا الا في قري محصنة او من وراء جدر).
السفير رشاد فراج الطيب باحث في الفكر والسياسة الدولية





