المقالات

السفير رشاد فراج الطيب: صبرًا أهل السودان فإن موعدكم خيرا وجبرا

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

يا أهل السودان…

يا من شربتم من النيل صبرًا ، ومن تراب الوطن عزةً ، ومن التاريخ شموخًا وكبرياء ..

إن ما نزل بكم ليس حدثًا عابرًا في سجل الأيام ، بل بلاءٌ عظيم ، تمتحن به القلوب ، وتُمحَّص به الأرواح ، وتُكتب به صفحات من الصبر لا يخطها إلا المؤمنون الكبار .

حربٌ غاشمة باغتتكم على حين غِرّة ، فاختلط فيها صوت الرصاص بأنين الثكالى ، ودخان الحرائق بدموع الأطفال .

فقدتم أرواحًا بريئة ، ما حملت سلاحًا ولا أرادت قتالًا ، وإنما كانت تحلم بعيش كريم ، ومدرسة آمنة ، ولقمة طيبة ، وسقف يأويها .

انتهكت أعراض ، وسُلبت أموال ، وضاع متاع جمعتموه بعرق السنين ودموع الغربة ، في مهاجر الأرض ومغترباتها ، تبنون بيتًا حجرًا حجرًا ، وتغرسون حلمًا عامًا بعد عام ، فإذا به في لحظة نارٍ يصبح رمادًا .

أيها الصابرون ..

إنه عدوانٌ جاءكم من أقرب الناس مساكنةً وجوارًا وقربى ، فكان الجرح مضاعفًا ، والألم أعمق ، لأن طعنة القريب أشد وجعًا من سيف الغريب .

ثم زاد البلاء خذلان الأقربين والأبعدين ، وصمت العالم أو تواطؤه ، ودولٌ طامعة لا ترقب فيكم إلاًّ ولا ذمّة ، تنظر إلى خيرات بلادكم نظرة الجشع لا نظرة الأخوّة .

لكن .. ما ضاع دمٌ عند الله ، ولا ذرفتم دمعة ولا طعنتكم شوكة إلا كانت عنده محفوظة .

قال تعالى :

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

ثم وعدهم وعدًا يسكب الطمأنينة في القلوب :

﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.

يا أهل السودان ..

إن الله لا يمتحن أمةً تمثّلت أخلاق النبوة ، ولا يبتلي قومًا عرفوا المروءة بقتال عدوٍّ إلا لحكمةٍ بالغة .

لقد كان في سيرتكم من الخصال ما يُرجى معه الفرج ، كما قالت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد للنبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم ، حين فزع عند أول نزول الوحي : « كلا، والله لا يُخزيك الله أبدًا ؛ إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتُقري الضيف، وتعين على نوائب الحق » .

وكأن هذه الكلمات اليوم تُقال لكم ،

فلَكم خبيئاتٌ من الأعمال الصالحة يعلمها الله ، وقد كنتم نعم الجوار ، تأوون الضيف ، وتساعدون القريب والبعيد ، وتقتسمون اللقمة مع الضيف و اللاجئ الفقير .

وكنتم حيثما اغتربتم قناديل علمٍ وعطاء ، وشركاء في التنمية والإعمار والبناء ، ونموذجًا في الأخلاق والأمانة بشهادة الدنيا قبل شهادة القريب .

لكن قدر الله أن تجدوا مقابل ذلك جحودًا وإعراضًا وعدوانًا ، وأن تحصدوا في ظاهر الأمر شرًّا وغدرًا وخذلانًا حيث زرعتم خيرًا وإحسانًا .

غير أن ما يقع ليس إلا ابتلاءً وامتحانًا ، صبر على مثله أولو العزم من الأنبياء والصالحين .

قال تعالى :

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ .

وقد تكون حكمة الله بكم خيرًا فيما حسبتموه شرًّا ، كما قال سبحانه :

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾،

والعاقبة للمتقين الصابرين المحتسبين وعدًا لا يتخلّف .

 

يا أهل السودان ..

أنتم اليوم في موضعٍ قال الله فيه :

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .

بغير حساب .. عطاءٌ لا تحدّه حدود ، ولا يحيط به تقدير بشر .

ولئن تكالبت عليكم قوى الأرض ، فإن رب الأرض والسماء قال :

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ .

إن الأمم العظيمة لا تُصنع في الرخاء ، بل تُصاغ في أتون المحن .

والسودان الذي عرف الممالك والحضارات ، واحتضن العلم والتصوف والقرآن ، لن يُطفئ نوره دخان حرب ، ولن تكسر إرادته جراح مؤقتة .

فرب محنةٍ في ظاهرها انكسار ، وفي باطنها ميلاد جديد .

صبرًا يا أهل السودان ..

فإن الله يرى ، ويسمع ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .

صبرًا فإن دم الشهداء نورٌ لا ينطفئ ، وصرخات المظلومين تصعد إلى السماء ليس بينها وبين الله حجاب .

صبرًا فإن موعدكم وعد الله ، ووعد الله حق ، والعاقبة للمتقين ولاعدوان إلا علي الظالمين.

فقط وحدوا صفكم والتفوا حول جيشكم

وتوكلوا علي ربكم يكتب لكم الفوز والنصر .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى