المقالات

السفير رشاد فراج الطيب: صحوة الشارع الأمريكي .. هل تتحول الي فعل يحرر أمريكا من قبضة الصهيونية ؟

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

ليس من اليسير قراءة ما يجري في الولايات المتحدة اليوم في الشارع الامريكي من تظاهرات ومسيرات حاشدة بوصفه موجة احتجاج عابرة ، أو مجرد رد فعل ظرفي على سياسات إدارة بعينها .

فالمشهد في عمقه ، يعكس حالة مراجعة هادئة ولكن متراكمة ، تمس بنية الوعي السياسي الأمريكي ، وتعيد طرح أسئلة تأسيسية حول معنى القوة ، وحدود الدور ، وطبيعة المصلحة الوطنية العليا .

تأتي هذه اللحظة في سياق تاريخي مثقل ، فمنذ أحداث ١١ /سبتمبر ، انخرطت الولايات المتحدة في مسار طويل من الحروب والتدخلات ، أرهق الاقتصاد ، واستنزف الرصيد الأخلاقي ، وخلق فجوة متزايدة بين الدولة ومواطنيها .

ومع مرور الوقت لم يعد السؤال يدور حول كلفة هذه الحروب المادية والبشرية فحسب ، بل حول جدواها وشرعيتها الاخلاقية والقانونية .

في هذا الإطار ومع الحرب الاخيرة الجارية والعدوان الغاشم علي ايران يبرز اسم دونالد ترامب كعنوان لمرحلة سياسية اتسمت بإعادة تعريف الخطاب القومي ، وصعود نزعات شعبوية محافظة ، تلاقت في أهدافها ورغباتها مع التيار الإنجيلي ذي الرؤية العقائدية للعالم وللشرق الأوسط ، ومع سياسات اليمين الإسرائيلي ، خاصة التيار اليكودي المتطرف .

غير أن هذا التلاقي على أهميته ، لا يفسر وحده تعقيدات القرار الأمريكي ، الذي تحكمه شبكة متداخلة من المؤسسات والمصالح والضغوط .

ومن هنا ، فإن الحديث عن “ اختطاف الإرادة الأمريكية ” يظل تعبيرًا سياسياً يحتاج إلى قدر من التحليل والفحص ، إذ لا يمكن إغفال أن النظام الأمريكي بطبيعته تعددي ، تتنازع فيه مراكز التأثير ، من الكونغرس إلى الإعلام إلى جماعات الضغط ، ومنها American Israel Public Affairs Committee ، ولكن ضمن منظومة أوسع لا تختزل في فاعل واحد .

الجديد إذن ، ليس في وجود هذه التأثيرات ، بل في اتساع الوعي بها ، وانتقالها من دوائر النخب إلى فضاء الشارع .

فقد أفرزت التحولات الرقمية ، وتراكم الخبرات التاريخية ، جيلًا أمريكيًا أكثر نقدًا وتحررا ، وأقل تسليمًا بالسرديات الرسمية ، وأكثر ارتباطًا بمعايير العدالة الكونية .

وقد جاءت الحرب على غزة لتشكل لحظة كاشفة ، لا داخل الولايات المتحدة وحدها ، بل على امتداد الفضاء الغربي الكبير .

فقد أحدثت صور الدمار والمعاناة صدمة أخلاقية عابرة للحدود ، وضعت المنظومة القيمية الغربية برمتها أمام اختبار صعب إلى أي مدى تُطبّق مبادئ حقوق الإنسان بصورة متسقة وعادلة ومتساوية ؟

في هذا السياق ، لم تكن المظاهرات في نيويورك أو واشنطن معزولة عن نظيراتها في العواصم الأوروبية أو في كندا وأستراليا ، بل بدت جميعها تعبيرًا عن مزاج عالمي متقارب ، تقوده أجيال شابة تعيد تعريف أولوياتها بعيدًا عن إرث الحرب الباردة وتحت تأثير كبير من ضغط الاعلام الحديث الكاشف .

وتحت ضغط هذا المزاج ، اتخذت دول مثل بريطانيا وفرنسا والمانيا واسبانيا وغيرها ، خطوات سياسية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية استجابة لارادة الشارع ، في دلالة على أن الرأي العام بات قادرًا – ولو جزئيًا – علي التأثير في القرار السياسي .

غير أن الفارق الجوهري يظل قائمًا ، ففي حين تستجيب الأنظمة البرلمانية الأوروبية بوتيرة أسرع نسبيًا للضغط الشعبي ، تبقى عملية صنع القرار في الولايات المتحدة أكثر تعقيدًا وبطئًا ، بحكم توازنات داخلية دقيقة ، وتشابكات استراتيجية عميقة .

ومن هنا ، فإن ما نشهده اليوم يمكن توصيفه بأنه تحول في الوعي ، لا تحول مكتمل في السياسة .

فالشعارات المرفوعة ضد الحرب ، والتشكيك في جدوى التحالفات غير المشروطة والدعم المطلق لحروب إسرائيل علي حساب دافع الضرائب ، والدعوة لتحرير القرار الوطني تعكس تشكل خطاب جديد ، لكنه لم يتحول بعد إلى قوة سياسية حاسمة قادرة على إعادة صياغة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة والمستقلة .

في الحاضر ، يترجم ويتمثل هذا التحول في

تصاعد النقد داخل الجامعات ووسائل الإعلام ومراكز السياسات والدراسات ،

مع بروز أصوات داخل الكونغرس تطالب بمراجعة بعض السياسات ،

مع اتساع الفجوة بين الأجيال في تقييم الدور الأمريكي عالميًا.

أما في المستقبل ، فإن المسار سيظل رهينًا بمدى قدرة هذا الوعي على الانتقال من مستوى ( الاحتجاج ) إلى مستوى ( الفعل ) السياسي المنظم ، القادر على التأثير في الانتخابات وصناعة القرار والسياسة الخارجية .

فإن حدث ذلك ، قد تتجه الولايات المتحدة بعدها نحو

سياسة خارجية أكثر حذرًا وأقل اندفاعًا ،

مع إعادة توازن في علاقاتها الدولية ، خاصة مع إسرائيل ،

مع تقليص الانخراط في صراعات الشرق الأوسط .

أما إذا بقي هذا الوعي حبيس الشارع ، فإن المؤسسات القائمة ستنجح كما فعلت مرارًا في احتواء التغيير وكبته وترويضه او ربما تزويره ، وإعادة إنتاج السياسات بصيغ معدلة دون مساس بجوهرها .

خلاصة القول ، إن الولايات المتحدة تقف اليوم عند عتبة مراجعة تاريخية ، تتنازعها قوتان :

قوة ( الاستمرار ) المستندة إلى إرث طويل من الهيمنة والتحالفات والمصالح والرؤي الدينية ،

وقوة ( التغيير ) التي تتغذى من وعي جديد يتشكل في الشارع .

وبين هاتين القوتين ، لا يُحسم المستقبل بشعارات الاحتجاج وحدها ، بل بقدرة هذه الشعارات على أن تتحول إلى مشروع سياسي وانتخابي متكامل .

فهل تفعلها أمريكا ، وتعيد تعريف ذاتها ودورها ونظامها الديمقراطي ؟

أم تظل أسيرة معادلات القوة الغاشمة التي صنعت مجدها… وأثقلت حاضرها بمغامرات غير محسوبة العواقب ؟

ذلك هو السؤال الذي لم يُجب عنه بعد ، لكنه بات لأول مرة منذ زمن طويل مطروحًا بجدية داخل البيت الأمريكي نفسه .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى