السودان في زمن الحرب ..من أزمة إنسانية إلى محور استراتيجية الأمن الغذائي الخليجي
متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز
كتب – د. محمد منتصر صالح
في وقت تتصاعد فيه الصراعات الجيوسياسية حول العالم و يشهد سوق الغذاء العالمي اضطرابات غير مسبوقة ، تواجه دول الخليج أزمة حقيقية في أمنها الغذائي بسبب اعتمادها الكبير على الاستيراد من أسواق بعيدة و معرضة للصدمات .
في هذا السياق الحيوي ، تطفو من جديد أهمية السودان كقوة إنتاجية يمكن أن تلعب دورًا محورياً في الاستجابة لهذه التحديات — لكن الحرب الدائرة داخله منذ أبريل 2023 تُحوِّل هذه الإمكانات إلى تحدٍّ استراتيجي معقد .
الحرب و تأثيرها المدمر على الإنتاج الغذائي
منذ اندلاع الحرب في السودان ، دخل الاقتصاد الوطني في مرحلة انهيار شبه كامل و تعرضت الزراعة — العمود الفقري للاقتصاد — لضغطٍ شديد .
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 21 مليون شخص — أي نحو 41 % من السكان — يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي ، بينما تُظهر بعض الولايات دلائل على مستويات خطيرة من انعدام الغذاء .
و قد تسبب النزاع في تهجير أكثر من 12 مليون شخص داخل السودان و خارجها ، مما أدى إلى تعطيل العمل الزراعي و فقدان اليد العاملة الأساسية التي كان يعتمد عليها الإنتاج الغذائي .
كما تضررت البنية التحتية الزراعية بشكل كبير ، إذ دُمرت شبكات الري و المخازن و الطرق ، في حين توقفت العديد من المصانع و الشركات العاملة في قطاع الأغذية .
السودان قبل الحرب : إمكانات تحويلية و قوة إنتاجية
قبل الحرب ، كان السودان يتمتع بمكانة زراعية بارزة داخل القارة الأفريقية و العالم العربي ، بفضل أراضٍ زراعية واسعة و مياه وفيرة مقارنة بالعديد من المناطق الأخرى ، مما جعله وجهة للاستثمارات في الزراعة و الثروة الحيوانية و البنية التحتية .
الدول الخليجية ، التي تمتلك رأس مال كبير و تبحث عن فرص استثمارية طويلة الأمد في الزراعة لتخفيف التبعية الغذائية ، توجهت نحو السودان باعتباره منطقة إنتاج جذابة من الناحية اللوجستية و الاقتصادية .
الإنتاج الزراعي في السودان قبل الحرب : أرقام تدل على قدرات ضخمة
قبل اندلاع الحرب الحالية ، كان السودان يُصنف كأحد أبرز الدول الزراعية في إفريقيا و العالم العربي ، ليس فقط بسبب المساحات الشاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة ، بل أيضًا لقدرته على إنتاج كميات كبيرة من الحبوب الأساسية .
تشير البيانات الرسمية إلى أن مساحة الأراضي الزراعية المزروعة في عام 2023 بلغت حوالي 21.2 مليون هكتار و هو رقم يعكس توسعاً تاريخياً في الاستخدام الزراعي للأرض .
و استفاد السودان من تنوع أنظمة الزراعة — منها المروية و المطرية و الري الفيضي — ما مكّنه من إنتاج محاصيل غذائية أساسية مثل الذرة و الدخن و السمسم و القمح ، بالإضافة إلى محاصيل تجارية مثل القطن .
و في عام 2023 وحده ، قدرت الأمم المتحدة و منظمات الزراعة الدولية أن الإنتاج السنوي من الحبوب في السودان بلغ نحو 4.1 مليون طن ، بينما كانت التوقعات قبل الحرب تشير إلى مستويات أعلى بكثير ، ما يعكس إمكانات الإنتاج الهائلة التي كان يمكن أن تساهم في تلبية الطلب المحلي و الخارجي .
و قبل الحرب ، كان القطاع الزراعي يُشكّل أكثر من 30% من إجمالي الناتج المحلي و يُعد المصدر الأساسي للمعيشة لأكثر من 80% من القوة العاملة في البلاد ، مما يؤكد الأهمية الاقتصادية و الاجتماعية لهذا القطاع الحيوي .
تداعيات الحرب على الزراعة :
تراجع الإنتاج و تقلّص المساحات
مع اندلاع الحرب في السودان ، بدأت هذه الإمكانات الهائلة تتآكل بشكل سريع تحت وطأة العنف و فقدان الأمن و الاستقرار .
تشير تقارير تحليلية إلى أن الصراع قد تسبب في خروج أكثر من 60% من المساحات المزروعة من دائرة الإنتاج ، نتيجة للسيطرة على المشاريع الزراعية الكبرى و نهب الآليات و تهجير المزارعين ، ما أدى إلى انخفاض كبير في حجم الإنتاج الزراعي مقارنة بمستوياته قبل الحرب .
و أظهرت تقارير أخرى أن المساحات المزروعة تراجعت بشكل حاد إلى مستويات لا تغطي سوى جزءٍ بسيط من المساحات الإنتاجية السابقة ، بينما تضررت شبكات الري و المخابز و البنى التحتية الحيوية في الولايات المنتجة مثل الجزيرة و سنار و النيل الأبيض .
هذا الانكماش في النشاط الزراعي لا يؤثر فقط على القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي للسودان ، لكنه أيضًا يعرض الشراكات المستقبلية للخطر ، لأن أساسها كان مبنيًا على قدرة السودان على إنتاج فائض زراعي متين و مستدام قبل الحرب .
السياق الإقليمي و الدولي : أثر تحولات سلاسل الإمداد
في سياق عالمي تعرّضت فيه سلاسل الإمداد الغذائية لضغوط متزايدة بسبب النزاعات في أوكرانيا و التغيرات المناخية ، فإن أي دولة تمتلك قدرات إنتاجية حقيقية — بشرط أن تكون مستقرة و منظمة — تمثل شريكًا استراتيجيًا مهمًا للدول التي تفتقر إلى موارد غذائية .
لكن التدهور الذي طرأ نتيجة للحرب في السودان أعاد تشكيل تلك المعادلة و أبرز الحاجة الماسة إلى حلول متعددة الأبعاد تتجاوز مجرد الاستثمار في الأرض ، لتشمل السلام و الاستقرار السياسي و التنمية المستدامة .
فرصة لا تُعوَّض : الربط بين الأمن الغذائي و الاستقرار السياسي
إذا تمكّن المجتمع الدولي و السودان و دول الخليج من تحقيق وقف دائم لإطلاق النار ، فإن الأمن الغذائي المشترك يصبح هدفاً أكثر واقعية .
إذ يمكن أن يتوسع دور السودان ليشمل :زيادة الاستثمارات في البنية التحتية الزراعية بعد الحرب لإنعاش الإنتاج الضائع .
برامج تعاون تقنية و تقاسم مخاطر بين القطاعين العام و الخاص في الدول المعنية .
رؤية استراتيجية للأمن الغذائي العربي تستفيد من القرب الجغرافي و الموارد المتاحة ، مع ضمانات سياسية و استثمارية لتقليل المخاطر .
ختاماً : من الخراب إلى البناء الاستراتيجي
الحرب في السودان قد دمرت الكثير من مقومات القوة الاقتصادية ، لكنها أيضاً تضع أمام صُنّاع القرار في الخرطوم و الخليج على حد سواء فرصة لإعادة تشكيل نموذج جديد من الشراكة الاقتصادية و الاستراتيجية .
السودان يمكن أن يكون أكثر من مجرد مورد زراعي ؛ يمكن أن يصبح محورًا لإستراتيجية الأمن الغذائي العربي المشتركة ، إذا ما رُبطت جهود السلام و التنمية و الاستثمار طويل الأمد .
تحقيق هذا يتطلب رؤية واضحة ، استقراراً سياسياً متجدداً و اهتماماً مشتركاً من القوى الإقليمية الكبرى لضمان أن تظل موارد السودان قوة بناء لا رمزاً للدمار .





