
بنك التنمية الأفريقي يكشف أرقاما مخيفة عن الفساد بالسودان
كشف التقرير السنوي لبنك التنمية الأفريقي عن الوضع في السودان، الذي صدر في 33 صفحة يوم الإثنين الماضي، يرسم صورة محزنة للوضع الاقتصادي والمالي في السودان ويورد أرقام صادمة للتدهور الاقتصادي الناتج عن الحرب.

لكن ماهو أسوأ من الحرب يتمثل في التشوهات الاقتصادية المزمنة التي يعاني منها السودان. فالحرب حتما ستنتهي يوماً ما لنجد أنفسنا أمام أزماتنا القديمة المتمثلة في الإدارة العشوائية للاقتصاد والفساد الإداري والمالي وغياب الشفافية وانعدام المنهجية والتخطيط الاستراتيجي.
ويشير التقرير إلى ان ما يفقده السودان بسبب الفساد والتعدي على المال العام والتهرب الضريبي يقدر بأكثر من خمسة مليار دولار سنوياً.
وبينما يورد إحصاءات مرتفعة نسبياً لما يمتلكه السودان من رأس مال وثروات، خصوصاً الثروات الطبيعية المتجددة، فإن ترتيب السودان الخاص بمؤشرات التنمية البشرية كان منخفضا في 2023 حيث احتل المركز ال 45 من بين 54 دولة أفريقية.
واحتلت أثيوبيا المركز 21 وكينيا 12 و رواندا 10 ويوغندا 28. وتاريخياً شكل سوء بيئة الاستثمار وضعف مستوى النظام المالي والمصرفي عقبة أساسية أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية التي كانت ارقامها متذبذبة خلال السنوات الماضية، فبعد أن كانت 1,06 بليون دولار في 2016 تناقصت لما يقارب النصف في 2022 لتبلغ 573,5 مليون دولار.

وأشار التقرير أيضاً للاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد والتي زادت من هشاشته وضعف قدرته على امتصاص الصدمة الناتجة عن الحرب.
فالسودان يعاني من ضعف القدرة على استنفار الموارد المحلية وضعف الإيرادات الحكومية بصفة عامة، ضريبية وغير ضريبية، وانخفاض في القيمة المضافة للمنتجات الوطنية وفي سلع الصادر، بالإضافة لدين خارجي مرتفع (يشكل عبء ثقيل على الميزانية، بسبب تكلفة خدمة الدين والمتأخرات، فضلاً عن تقليل قدرة الدولة على الاستدانة من مؤسسات التمويل الدولية نسبة لتراكم المتأخرات التي تشكل 80% من إجمالي مبلغ الدين الخارجي).
وبالرغم من مصادقة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ونادي باريس على اجتياز السودان لمتطلبات إعفاء الدين في عام 2021، في إطار مبادرة إعفاء ديون الدول الفقيرة المعروفة بمبادرة الهيبيك، إلا أن تغيير 25 اكتوبر أدى إلى أن يجمد صندوق النقد الدولي برنامج التعاون مع السودان وبالتالي تعليق تنفيذ قرار مبادرة الهيبيك.
وكان من المفترض أن يؤدي القرار لتخفيض دين السودان الخارجي الذي بلغ 56 مليار في عام 2021 إلى النصف. كما قام الصندوق بإلغاء برنامج للدعم الفني لمدة 39 شهراً مع قرض ميسر بقيمة 2,5 مليار دولار تمت المصادقة عليه من قبل إدارة الصندوق في 2021، تحت مظلة برنامج المساعدات المعروف ببرنامج التسهيل الإئتماني الممتد Extended Credit Facilty (ECT) وهو احدى الأدوات التي يخصصها صندوق النقد الدولي للدول منخفضة الدخل ويشتمل على دعم فني للإصلاحات الاقتصادية.
مصحوباً بقروض بفوائد هامشية جداً او بدون فوائد ولفترات سداد طويلة تمتد لعشر سنوات (بعد تغيير 25 أكتوبر قام صندوق النقد الدولي بمنح القرض المخصص للسودان لدولة أفريقية أخرى). وقد كان وصول السودان لمرحلة قرار إعفاء الدين الخارجي تتويجاً لمسار طويل من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بدأ منذ العام 2014.
وفي عام 2021 بلغ عدد الدول التي تقدمت للحصول على إعفاء ديونها 39 دولة استفادت كلها من المبادرة فيما عدا السودان والصومال وإرتيريا. وفي نهاية 2023 حصلت الصومال على موافقة صندوق النقد الدولي وتم شطب أكثر من 85% من دينها الخارجي.
وفيما يتعلق بالأثر الاقتصادي للحرب فوفقاً للتقرير بلغت الخسارة التي لحقت بالاقتصاد بسبب الدمار الناتج عن الحرب، خلال السنة الثانية للحرب 125 مليار دولار بناءً على التقديرات الأولية. وهي نفس القيمة التي خسرها الاقتصاد خلال العام الأول للحرب حسب تقرير البنك الصادر في العام السابق.
أما بالنسبة لمؤشرات الاقتصاد الكلي فقد انكمش الناتج المحلي الاجمالي بسبب الحرب بمعدلات هي الأعلى في تاريخ البلاد، بلغت -37% في 2023 و -12% في 2024. كما تزايد عجز الحساب الجاري (العمليات الخارجية للدولة) في 2023 و2024 بسبب الانخفاض الحاد في الصادرات وتحويلات المغتربين.
ولجأت الحكومة لتمويل العجز من احتياطي النقد الأجنبي الذي تناقص بدوره لما يعادل قيمة شهر من الواردات في 2023 و2024، وكان احتياطي النقد الأجنبي يعادل 2,7 شهر من الواردات في 2022، ورافق ذلك زيادة في عجز ميزانية الدولة بسبب نقص الإيرادات الضريبية وغير الضريبية.
ويشير التقرير إلى أن السودان يعاني بصفة خاصة من تناقص في الإيرادات الضريبية التي انخفضت نسبتها من 10% من الناتج القومي في 2014 إلى 6% فقط في 2022 ثم إلى 3,3% في 2023.
ويظهر هذا الضعف في بالمقارنة مع الدول الأفريقية الأخرى حيث بلغت هذه النسبة 12,5% في يوغندا، 14,1% في غانا، 18,7% في السنغال، 16,8% في زامبيا و 14% في ساحل العاج.
وكذلك اثرت الحرب على اقتصادات الدول المجاورة. فقد تعرض اقتصاد جنوب السودان بسبب الحرب في السودان لهزة عنيفة أدت لانكماشه بدرجة مقاربة لما حدث في السودان بسنبة بلغت -27% في 2024، بصفة خاصة بسبب توقف تصدير البترول عبر السودان.
ودخل جنوب السودان في أزمة مالية حادة أجبرت الحكومة على التوقف عن دفع مرتبات العاملين في القطاع العام لأكثر من عام.
أما فيما يختص بالتوقعات الخاصة بمؤشرات الاقتصاد مستقبلاً، يؤكد خبراء البنك أن الشرط الأساسي لتعافي الاقتصاد هو توقف الحرب. وحتى مع افتراض انتهاء الحرب في 2025، من المتوقع استمرار انكماش الاقتصاد في العام الحالي بمعدل ,6%- ليبدأ بعد ذلك في النمو ببطء في 2026 بمعدل متوقع 1,3% مع بقاء معدلات التضخم مرتفعة و تزايد عجز الميزانية بسبب الارتفاع المتوقع في الصرف الحكومي على إعادة التعمير.
وسوف يواجه السودان تحدياً كبيراً فيما يتعلق بتوفير التمويل اللازم لمرحلة ما بعد الحرب. فإعادة إصلاح البنية الاقتصادية بشكل سريع يحتاج لتمويل إضافي يقدره البنك ب 24,3 مليار دولار سنوياً خلال الفترة الممتدة حتى 2030. علماً بأن السودان يعاني من ضعف في المقدرة الاقتراضية بسبب ارتفاع الدين الخارجي الذي تشكل المتأخرات 80 بالمائة منه بالإضافة لتناقص تحويلات المغتربين كما ذكرت آنفاً.





