
متابعات | تسامح نيوزب
كتب- عمار العركي
▪️لا يمكن قراءة توجيه رئيس الوزراء د. كامل إدريس بإيقاف الرسوم في المعابر بمعزل عن التفاعلات التي أعقبته ،ولا عن الأسئلة الجوهرية التي أثرناه في مقال سابق، و إلى أي مدى تتفاعل مؤسسات الدولة – خاصة الاقتصادية والإيرادية – مع برنامج العودة الطوعية الذي يتبناه ويرعاه رئيس الوزراء د. كامل إدريس؟ وهل تترجم هذه المؤسسات دعمها سياسياً وإدارياً على الأرض؟، أم أن المعابر تظل خارج سيطرة الدولة الفعلية، معرضة لتداخل المصالح وغياب الرقابة؟ والواقع على الأرض يكشف فجوة واسعة بين السياسات الرسمية لدعم العودة الطوعية وما يحدث فعليًا عند المعابر، حيث تتداخل السلطات وتتضارب المصالح، ما يجعل السؤال: من يحكم ويُراقب المعابر؟ فالقضية ليست قرار تم اتخاذه ثم التراجع عنه،ولكن القضية كيفية صناعة القرار وتنفيذه، ومدى صموده أمام واقع المؤسسات .
▪️بيانات ديوان الضرائب وقوات الجمارك وسعت دائرة التساؤلات حول التخطيط، والتنسيق، وتوزيع الصلاحيات داخل الجهاز التنفيذي، وطرحت سؤالاً جوهرياً: إلى أين كانت ستورد هذه الرسوم الملغاة، طالما أن الجهات المعنية نفت علاقتها بها؟ و لماذا صمتت المؤسسات عن هذه الزيادات قبل إلغائها؟
▪️عند تفكيك المشهد، يظهر نمط “التنصل عن المسؤولية” مصحوباً بصمت إداري عن معالجة الخلل. كل جهة قدمت روايتها الفنية، ونفت علاقتها بفرض أي أعباء إضافية على المواطن؛ ديوان الضرائب تحدث عن ثبات النسب القانونية، والجمارك أكدت أنها ليست جهة تحصيل. لكن النتيجة واحدة: العبء وقع على المواطن دون تبني جهة بعينها. وإذا سلمنا بصحة رواية ديوان الضرائب، يظل السؤال: لماذا لم يتحرك لرفع العبء قبل تدخل رئيس الوزراء؟
▪️الإشكالية الحقيقية ليست في وجود قرار خاطئ بقدر ما هي في تفكك المسؤولية داخل منظومة التنفيذ. فرض أو معالجة رسوم بعد إجازة الميزانية يطرح سؤالاً حول دقة التخطيط المالي: هل بنيت الميزانية على تقديرات واقعية أم هناك حاجة لمعالجات لاحقة تعكس خللاً في التقدير؟
▪️يتجلى أيضاً التضارب بين المستويات الاتحادية والمحلية؛ فالقرار يصدر مركزياً، لكن أثره يتشكل ميدانياً عبر جهات متعددة، لكل منها زاويتها وأدواتها. وفي غياب التنسيق، يتحول القرار الواحد لعدة صيغ مختلفة، لتكون النتيجة مواطن حائر ومثقل بالأعباء.
▪️هنا يتقاطع المشهد مع السؤال السابق: هل القرار في الدولة مركزي فعلاً أم يُعاد تشكيله داخل المؤسسات وفق توازنات المصالح وآليات التنفيذ؟ في هذا السياق، يواجه كامل إدريس اختباراً يتجاوز إلغاء رسوم؛ القضية أصبحت فرض مركزية القرار على جهاز اعتاد العمل بهوامش واسعة من الاستقلال.
▪️لكن ما حدث يمكن أن يُقرأ كفرصة للإصلاح، فقد أظهرت الواقعة ضعف التنسيق بين المؤسسات، واتساع مساحة الاجتهادات الفردية، وغياب آليات ضبط فعالة للتنفيذ، وهي معطيات تضع إصلاح القطاع العام في صدارة الأولويات، خاصة مع التشكيل والتعيينات المرتقبة. المرحلة القادمة لن تقاس بالكفاءة الفنية وحدها، بل بالقدرة على العمل ضمن منظومة منضبطة تحترم تسلسل القرار وروحه لا نصه فقط.
*_خلاصة القول ومنتهاه_ :*
▪️ما جرى لم يكن مجرد جدل حول رسوم قُررت ثم أُلغيت، بل كشف طبيعة الدولة: بين قرار مركزي يسعى للانحياز للمواطن، وجهاز تنفيذي متعدد المستويات ومتباين الإيقاع.
▪️وبين هذا وذاك، يقف كامل إدريس أمام اختبار حقيقي: ليس فقط في إصدار التوجيهات، بل في قدرته على الإصلاح والتقويم دون أن تجرفه تيارات مراكز القوة والنفوذ.





