
تحديات اقتصادية.. عودة العاصمة لـ “الخرطوم”.. هل الاستعدادات اكتملت!!
الحكومة شرعت فعليا في ممارسة نشاطها من داخل ولاية الخرطوم واختارت مواقع بديلة
ولاية الخرطوم: اكتمال الصيانة لعدد من المرافق الحيوية بنسبة تجاوزت ال70 %
إعادة التيار الكهربائي الى الخرطوم بنسبة تجاوزت ال80 %
تقرير – رحاب عبدالله
رسم مراقبون واقتصاديون سيناريوهات متعددة بعد عودة الحكومة الى مباشرة اعمالها من العاصمة الخرطوم واكدوا ان عودة الحكومة فرصة لاعادة اعمار ما دمرته الحرب بصورة كلية بالاضافة الى الحراك المرتقب في النشاط التجاري بالعاصمة كما ان العودة تسهم في بث الطمأنينه لدى الشركات ورجال الاعمال الى معاودة نشاطها من مواقعها السابقة وتسهم بشكل مباشر في تقليل نسب العطالة التي ازدادت بسبب توقف الاعمال.
*مواقع بديلة*
وشرعت حكومة السودان فعليا ممارسة نشاطها من داخل ولاية الخرطوم واختارت مواقع بديلة لمقار وزاراتها التي تدمرت بفعل حرب المليشيا، فيما بدأ رئيس الوزراء كامل ادريس بممارسه نشاطه بمقر بديل اختار له احد الابراج الواقعة جنوب مدينة الخرطوم على الطريق المؤدي الى ولاية الجزيرة، كما باشرت الوزارات الاخرى نشاطها بمواقع بديلة تقع ايضا جنوب مدينة الخرطوم ،فيما ارجأت اللجنة العليا لاعادة الاعمار،تأهيل منطقة وسط الخرطوم التي تحتضن الوزارات والهيئات والشركات في السابق الى وقت لاحق بسبب الدمار الكبير الذي شهدته مقار الوزارات والمؤسسات بما فيها القصر الرئاسي ومجلس الوزراء.
ورغم الحراك الذي تشهده الخرطوم هذه الاايام الا انها لازالت تعاني من نقص وعدم انتظام في تقديم الخدمات الاساسية فيما يتصل بالكهرباء والمياه والخدمات الطبية وانتشار الفقر والعطالة بين سكانها رغم سعي الحكومة ممثلة في اللجنة العليا لاعادة الاعمار الى اعادة ترميم ما تيسر لها من امكانيات الا انها بدات تواجه مشاكل معقدة في كيفية اعادة الحياة الى سابقها في ظل انعدام ابسط مقومات الحياة واغلاق عدد من الاسواق والمصانع وغلاء المعيشة ،حيث يؤكد مواطنون فى حديثهم ل(تسامح نيوز) ان الحياة تبدو شبه مستحيلة فى الوقت الراهن بينما يرى اخرون باهمية ان تتحسب الحكومة فى توفير فرص العمل عبر البحث عن تمويلات للمواطنيين وتقديم مشروعات انتاجية بغية تحسين الاوضاع خاصة بعد ان شهدت العاصمة استتبابا جزئيا للامن الا ان ارتفاع الاسعار ومحدودية الدخل للسكان يلقى بظلال سالبة على مرحلة الاعمار.

*توفير الخدمات*
واطلق مواطنون نداءا الى الحكومة بتسريع وتيرة العمل على توفير الخدمات الاساسية وتقديم تسهيلات للشركات ورجال الاعمال للعودة الى مباشرة اعمالهم في الخرطوم بغية توفير فرص عمل للعاطين،وقالوا ان انتشار العطالة يحد من عودة المواطنيين، فيما تؤكد ولاية الخرطوم اكتمال الصيانة لعدد من المرافق الحيوية التي قالت انها اكتملت بنسبة تجاوزت ال70 %
وما تبقى منها القليل،واشار مصدر مطلع بولاية الخرطوم ل”تسامح نيوز” الى ان نقص التمويل يشكل عقبة اساسية امام تنفيذ عدد من المشروعات الخاصة باعادة تأهيل البنى التحتية وقال ان الولاية استقبلت خلال الفترة الماضية عدد من المحولات الكهربائية التي شرع المهندسين في تركيبها الا ان عقبة الالتزام برواتب العاملين تقف عقبة امام استكمال البرنامج كما ان اتساع رقعة دمار القطاع تحتاج الى جهود اضافية من قبل المسؤولين، ويقول محمد بشار وكيل وزارة التخطيط بوزارة المالية ان وزارته وضعت خطة لاعادة تأهيل البنية التحتية تشتمل على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين،وتوفير كافة الخدمات الأساسية المطلوبة بما فيها الخدمات الصحية،الإصحاح البيئي،مياه الشرب، التعليم،الكهرباء،وتأهيل الطرق الرئيسية والجسور.
وجدد والي الخرطوم احمد عثمان حمزة إلتزام حكومة الولاية بمواصلة العمل الميداني ومتابعة تنفيذ المشروعات الخدمية والتنموية مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب تكاتف الجهود الرسمية والشعبية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب لتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين،وقال ان ولايته بذلت مجهودا خلال الفترة الماضية باعادة التيار الكهربائي الى الخرطوم بنسبة تجاوزت ال80 % خاصة فى المناطق الماهولة بالسكان فى مدن الولاية الثلاث، كما تم اعادة اكثر من 90 % من خطوط وشبكات المياه فى الخرطوم.
وفيما يتعلق بالمستشفيات بدأت رحلة التعافي التدريجي نحو تقديم الخدمات بعد توقف لأكثر من عامين بسبب الحرب ولكن المؤسسات الطبية في العاصمة تواجه تحديات كبيرة،أبرزها توفير الطاقة الكهربائية،والضائقة المالية التي تمنعها من توفير مستحقات الأطباء بعد تراجع الدعم الحكومي،وقدرت وزارة الصحة خسائر القطاع الصحي الحكومي والخاص في ولاية الخرطوم جراء الحرب بـ12 مليار دولار، بعد تضرر 75% من المستشفيات العامة والخاصة،حيث توقف العديد منها عن العمل نتيجة القصف المباشر، وتحولت معظم المستشفيات إلى ثكنات عسكرية لمليشيا الدعم السريع”،
التي سيطرت على الخرطوم منذ الأيام الأولى للحرب، يقول مدير مستشفى “حاج الصافي” بمدينة بحري شمالي الخرطوم إدريس عبد الله صالح إن المستشفى كان مصنفا كمستوى ثانٍ في ولاية الخرطوم، والآن بعد إعادة تأهيله أصبح ضمن مستشفيات المستوى الأول، فيما استانف مستشفي ام درمان التعليمى نشاطه وبدا فى تقديم خدماته الطبية للمواطنيين فى كافة التخصصات،وانتقل إلى إجراء العمليات الجراحية الدقيقة، مثل جراحة المناظير والمسالك البولية،واكدت اللجنة العليا لاعادة تاهيل الخرطوم انها قدمت اكثر من 200 مليون دولار لاعادة تاهيل مستشفيات العاصمة الخرطوم
من بينها مستشفى ابن سيناء الذى عاد الى مزاولة تقديم خدماته الطبية الى المواطنيين، ويقول الطبيب بابكر جعفر ان الدعم حقق نقلة كبيرة في المستشفى بتوفير أجهزة أشعة مقطعية وموجات صوتية متقدمة، وإدخال علاج الأورام لأول مرة للمستشفى بإنشاء مركز أورام اضافة الى دعم من رجال أعمال سودانيين، ويوفر المركز خدمات التشخيص وأخذ العينات والعلاج الكيميائي والجراحة وتبقى فقط توفير العلاج الإشعاعي،والكهرباء متوفرة بالمستشفى مع وجود مولد للطوارئ يغطي حاجة المستشفى.
وفى الاثناء التزم رئيس الوزراء كامل ادريس عقب استئناف نشاط وزارته من الخرطوم بمزيد من الخدمات الصحية وإعادة إعمار المستشفيات والمراكز الصحية وبتحسين الخدمات التعليمية والمدارس والجامعات وبتحسين خدمات الكهرباء والمياه والصرف الصحي.
ارتفاع تكاليف المعيشة*
وتواجه العودة إلى الخرطوم مشكلات عدة،على رأسها ارتفاع تكاليف المعيشة، ونقص الخدمات، ورغم ذلك، أكدت السلطات عودة 600 ألف أسرة في الآونة الأخيرة، ليبلغ عدد المواطنين الذين هم بحاجة لمساعدات غذائية 6 ملايين شخص في ولاية الخرطوم وحدها،وتتجاوز هذه التقديرات لأعداد العائدين، تقديرات «منظمة الهجرة الدولية»، التي توقعت فيها خلال أبريل الماضي،عودة 2.1 مليون شخص إلى الخرطوم خلال 6 أشهر.
ويقول مواطنون عائدون الى الخرطوم ل”تسامح نيوز” نعلم ان الحياة لن تكون سهلة فى ظل انعدام ونقص فى التيار الكهربائي والمياه وقلة فرص العمل ولكنهم يرون ان العيش فى منازلهم افضل من العيش نزوحا، واكدوا انه رغم المصاعب التى يواجهونها فالشعور بالراحة النفسية يتعين عليه التغلب على المصاعب وطالبوا السلطات المختصة بتسريع عودة الخدمات والاهتمام بالخدمات الاساسية ومراعاة ظروف الاسر التى باتت لاتملك شيئا واصاب الخراب والدمار منازلهاحيث تواجه الاسر ارتفاعا كبيرا فى اسعار مواد البناء لاعادة تاهيل ما دمرته الحرب.
*توفير سلال*
وتعهد وزير التنمية الاجتماعية بالخرطوم صديق فريني، بتوفير سلال غذائية للعائدين، رغم أعدادهم الهائلة، وبعودة الخدمات تدريجياً لتخفيف معاناة المواطنين، وقال الحرب شردت المواطنين بشكل ممنهج، لكنهم عادوا الان بعد أن حررتها القوات المسلحة والقوات المساندة لها.
وأعلنت سلطات ولاية الخرطوم في وقت سابق،عودة بعض محطات مياه الشرب إلى العمل،وقالت إن الفنيين يعملون على إصلاح شبكات المياه المدمرة، وتوقعت عودة تدريجية لخدمة الكهرباء،وتعرضت البنية التحتية في الخرطوم لدمار كبير، بسبب الحرب،وتشير التقديرات غير الرسمية إلى أن عمليات إعادة إعمارها، قد تحتاج لما يزيد على 200 مليار دولار أميركي.
وظلت الازمة المعيشية حاضرة بالخرطوم حيث يشتكى السكان من غلاء اسعار السلع الاستهلاكية وارتفاع فاتورة الخدمات الاساسية وتعرفة المواصلات العامة ونقص فى الاعمال،ويقول المواطن محمد اسماعيل ل”العربي الجديد” رغم وفرة السلع الا ان اسعارها مرتفعة لن يستيطع غالب المواطنيين تناولها نتيجة لانحصار الاعمال فى النشاط التجارى فقط دون غيره،
واضاف حتى الان لم تعد الاسواق كما هى فى السابق وانخفضت وتيرة وارد الاسواق بالسلع المختلفة كما ان اغلاق الطرق امام السلع الواردة من غرب السودان ادى الى انعدامها فى الاسواق وارتفاع اسعارها واضاف تعتمد معظم تجارة السلع الواردة والصادرة على التهريب نتيجة لاستمرار الحرب فى غرب السودان التى كانت تعتبر احد الحراك الاقتصادي والتجارى فى الخرطوم .
اما التاجر اسماعيل بابكر يرى فى حديثه ل”العربي الجديد” ان الاسواق بولاية الخرطوم تشهد ركودا غير مسبوق وارتفاع فى الايجارات التى حدت من النشاط، وقال لن يعود النشاط التجارى الى ما كان عليه وافضل ما لم تتوقف الحرب فى غرب السودان واضاف ان 80 بالمائة من النشاط مرتبط بصورة اساسية بغرب السودان وقال فى السابق كنا نصدر اكثر من 500 شاحنة سلع يوميا الى ولايات دارفور وكردفان لوحدها ما يخلق نشاطا تجاريا وتسويقا كبيرا والان توقف النشاط سوى بسبب الحرب او بقرارات الحكومة منع الشاحنات من امداد تلك الولايات وهذا الامر حد من الحركة التجارية ونشاط السوق.
وفيما يتعلق بالمصانع قال ابوبكر ياسين صاحب مصنع ل”العربي الجديد” ان الشركات تعانى من الرسوم الكبيرة التى تفرضها الولاية فى ظل عدم وجود تسويق للمنتجات واعتماد الشركات على الجهد الذاتى فى توفير الكهرباء والمياه والخدمات الاخرى، واضاف ما لم تعفى الحكومة المصانع والشركات من الرسوم والضرائب لن تستيطع مواصلة عملها خاصة وان جميع المصانع العاملة بولاية الخرطوم تدمرت تدميرما كاملا، وحتى الان الحكومة لم تقدم اى خدمات او دعم لاعادة تاهيل خطوط الانتاج او حتى اعفاءات.
وتوقع اقتصاديون ان تنعكس الجهود التى تبذلها الحكومة فى اعادة ما دمرته الحرب فى ولاية الخرطوم ايجابا على المواطنيين خلال فترة ثلاثة شهور بعد عودة الحكومة وسحب كل النشاط العسكري من داخل الولاية وانتشار الشرطة فى كافة شوارعها اعلانا برجوع الامن والحياة المدنية للخرطوم، ويقول الاقتصادي الفاتح عثمان ل”العربي الجديد” نلاحظ انتظام حملة واسعة لتركيب محولات الكهرباء ومراجعة الشبكات للتاكد من رجوع خدمات الكهرباء والمياه لكافة احياء الولاية، وقال الخطوة ستكلل بالنجاح وتعود الحياة الى طبيعتها، اما بقية الخدمات سترافق العودة الكلية للسكان الى منازلهم والمساهمة فى اعادة الاعمار التى بداتها الحكومة واللجنة العليا لاعادة تاهيل الخرطوم.
اما المحلل الاقتصادي هيثم فتحى يقول إن الدمار الذي لحق بالعديد من البني التحتية وغيرها من المرافق الحيوية يجعل العودة لولاية الخرطوم تتوقف على إعادة الإعمار وإنها تحتاج إلى مدى زمني ليس بالقصير، حتي يتم توفير مصادر هذه الأموال في ظل الأزمات الاقتصادية الحالية، لذلك لابد من تبني سياسات لإعادة الإعمار بشكل يُحقق الاستقرار المعيشي، كذلك يُشكل تحقيق الاستقرار الاقتصادي عامل أساسي كانخفاض معدلات التضخم ومعدلات البطالة، وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، والحصول على الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة.
وقال هيثم ل”العربي الجديد” ان التحدي الأكبر الذي يواجه غالبية العائدين الذين فقدوا كل شيء في الحرب،هو تأمين مصدر دخل لمعيشتهم،ولا بد من بناء الأسواق، ودعم سبل العيش عبر الوظائف الحكومية والخاصة،واضاف عودة الحكومة الانتقالية لمقر عملها بالعاصمة الخرطوم تحكمها عوامل عدة تتعلق بالسكن والخدمات واستقرار الوضع المعيشي والأمني، وقيام الحكومة بمعالجة الانقطاع المستمر في الكهرباء والمياه،بوصفها احتياجات أساسية يومية للموظفين في مقار عملهم وسكنهم باحياء العاصمة الخرطوم، ويقول في تقديري عملية إعادة الإعمار للعاصمة والمقار الحكومية تحتاج إلى دعم خارجي كبير يفسح المجال للشركات وأصحاب رؤوس الأموال بدخول السوق السودانية،وبدء مرحلة جديدة في بناء عاصمة أنهكتها الحرب.
ولكن الخبير الاقتصادي د.محمد الناير يقول صحيح هنالك تحديات كبيرة تواجه انتقال الحكومة الى العمل من العاصمة الخرطوم،ولكن الان انتقلت ووجودها كفيل بالمساهمة في التغلب على التحديات ومعالجة كثير من القضايا المتعلقة بالخدمات وتهيئة البيئة التي انتظمت من قبل،واضاف كل تلك الاجراءات سوف تكتمل مع وجود الحكومة نفسها خاصة الكهرباء والمياه والصحة وفوق كل ذلك الامن والاستقرار، واعتبر عودة الحكومة فرصة كبيرة لتقديم الخدمات الضرورية للمواطنين لمحاربة الفقر عبر المؤسسات المختلفة مثل ديوان الزكاة وفرص التمويل الاصغر وتوجيهه لتخفيف اعباء المعيشة وتفعيله في تغطية مجال الطاقة النظيفة والمشروعات الانتاجية المختلفة.





