
تسويق عبر مظلة القاهرة.. الخرطوم .. التنازل عن (السيادة)
البرهان والسيسي أكدا أهمية “الآلية الرباعية” بوصفها مظلة للسعي إلى تسوية الأزمة السودانية.
د.ناصر سلم : القاهرة تدرك أن ما يجري في الخرطوم ودارفور ليس مجرد “صراع على السلطة”.
الجيش رفض “للغة الرباعية” منعا لأي مساواة بين “القوة الشرعية” و”التشكيل المتمرد.
باحث: هناك تحالف صامت بين القاهرة والخرطوم
تقرير ـ تسامح نيوز
زار رئيس مجلس السيادة الانتقالي ـ قائد الجيش السودانى، القاهرة منتصف الاسبوع المنصرم، وقالت الرئاسة المصرية ان البرهان والسيسي أكدا أهمية “الآلية الرباعية” بوصفها مظلة للسعي إلى تسوية الأزمة السودانية، ووقف الحرب، وتحقيق الاستقرار المطلوب؛ أعرب الرئيسان عن تطلعهما لأن يسفر اجتماع” الرباعية” في واشنطن خلال الشهر الحالي عن نتائج ملموسة لتوصل إلى وقف الحرب وتسوية الأزمة.اذن هل نجحت القاهرة فى تسويق “موقف الرباعية “، الموقف الذى رفضه الجيش السوداني لانه ساوى بينه والمليشيا، وعده ايضا تدخلا فى سيادة البلد ؟.

مصر والجيش السوداني: تحالف العقل الاستراتيجي في مواجهة مشروع تفكيك الدولة
يذهب الباحث فى الازمات وقضايا الارهاب د.ناصر سلم لـ(تسامح نيوز)،انه ومنذ اندلاع الحرب السودانية، كانت القاهرة تدرك أن ما يجري في الخرطوم ودارفور ليس مجرد “صراع على السلطة”، بل معركة حول” بقاء فكرة الدولة ذاتها” في وادي النيل. في الوقت الذي انشغل فيه العالم بلغة التسويات، قرأت مصر المشهد من زاوية أوسع هى أن السودان،

بما يمثله من عمق استراتيجي وأمني، هو آخر خطوط الدفاع عن منظومة الدولة الإقليمية التي تتعرض لعملية هندسة جديدة، تتأسس على تفكيك الجيوش الوطنية وتحويلها إلى قوى محلية متنازعة. ولذلك، لم يكن دخولها في آلية “الرباعية” — التي ضمّت الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر — انخراطًا في مشروع خارجي، بل محاولة “لاحتواءه” من الداخل، عبر إعادة توجيه المسار نحو منطق” الدولة والسيادة”.
منطلقات القاهرة: قراءة استراتيجية لا دبلوماسية
ويقول سلم،ان القاهرة ى تعتمد في تعاملها مع الملف السوداني على مبدأ مركزي هو أن” أمن السودان جزء لا يتجزأ من أمنها القومي”.فالخرطوم ليست جارًا سياسيًا، بل شريك جيواستراتيجي يربط بين البحر الأحمر وحوض النيل وامتداد الساحل الإفريقي.

وبالتالي، أي انهيار في البنية المؤسسية للدولة السودانية يعني تلقائيًا توسّع الفراغ الأمني نحو الحدود المصرية والقرن الإفريقي، بما يحمله من احتمالات انفجار موجات تهريب وسلاح ونزوح وجماعات متطرفة.ويضيف هذا الإدراك جعل القاهرة تتحرك بحذرٍ محسوب داخل الرباعية.
فهي، بخلاف الأطراف الأخرى، لا تبحث عن “تسوية شكلية” تتيح لها “نفوذًا أو مكاسب مالية”، بل تسعى إلى” إعادة تأسيس فكرة الدولة الوطنية في السودان كشرط مسبق لأي عملية سلام حقيقية”.
ولهذا السبب، رفضت أن تُختزل الأزمة في خطاب “الطرفين المتحاربين”، وأصرت على أن “الجيش السوداني” هو المؤسسة “السيادية الوحيدة المعترف بها”، وأن أي حديث عن “تكافؤ بينه وبين المليشيا” هو إلغاء عملي “للسيادة الوطنية”.
الجيش السوداني: الدولة كمعركة
ويمضي ذات محدثي،على الجانب السوداني، يتّسق موقف الجيش مع منطق الدولة لا مع منطق الصراع على السلطة.فالقوات المسلحة السودانية، بخلاف ما يروّجه البعض، ليست طرفًا سياسيًا، بل الكيان الدستوري الأخير الذي حافظ على شكل الدولة وبنيتها التاريخية.ورفضها المبكر “للغة الرباعية” لم يكن تمرّدًا على “الوساطة”، بل رفضًا قانونيًا لأي مساواة بين “القوة الشرعية” و”التشكيل المتمرد”، هذا الرفض عبّر عن إدراك عميق بأن الاعتراف بالمليشيا كطرف سياسي يعني بداية” شرعنة انهيار الدولة نفسها”.
وينوه الى ان الجيش السوداني، في تمسّكه بمبدأ السيادة، لا يدافع عن موقعه المؤسسي فقط، بل عن مفهوم السودان الموحد.فهو يقاتل على جبهتين متوازيتين: “ميدانية ضد التمرّد، ودبلوماسية ضد محاولات إعادة تعريف الدولة عبر قوالب دولية جديدة، تسعى إلى فرض نموذج التوازن بين الدولة والفصيل — النموذج الذي دمّر ليبيا وسوريا واليمن”.
مصر كقوة تصحيح داخل الرباعية
ويشدد د. ناصر، الى ان القاهرة و من داخل آلية الرباعية، لعبت دور “الضمير السيادي” للمجموعة،
فعلى الرغم من أن اللغة الأمريكية والسعودية في البيان الأول تبنّت “حيادًا لغويًا غامضًا” بين” الجيش والدعم السريع”، إلا أن مصر عملت في” الكواليس على تعديل المصطلحات وإعادة توجيه النقاش نحو الاعتراف بالدولة كوحدة واحدة”.ويشير الى ان التحرك المصري لم يكن علنيًا، لأن القاهرة تدرك أن نجاحها في السياسة الإقليمية مرهون بفاعليتها لا “بضجيجها الإعلامي”.وبالفعل، نجحت في إدخال مفاهيم محورية إلى البيانات اللاحقة مثل” دعم وحدة السودان ومؤسساته الوطنية.
احترام السيادة وعدم فرض حلول خارجية. ضرورة أن تكون الترتيبات الأمنية والإنسانية تحت إشراف الدولة السودانية وحدها”، وبهذه التعديلات الدقيقة، نقلت مصر الرباعية من حالة “الوساطة بين أطراف إلى حالة الدعم الممنهج للدولة الشرعية”.
التحالف الصامت بين القاهرة والخرطوم
ويرى الباحث فى الازمات د. ناصر،ان ما يجمع بين القاهرة والقيادة العامة السودانية يتجاوز المصالح التكتيكية إلى رؤية استراتيجية مشتركة ،كلاهما يدافع عن “بقاء الدولة ككيان”، في مواجهة موجة هندسة جديدة يقودها منطق” المليشيات العابرة للحدود”،فالجيش السوداني يقاتل في الميدان لحماية وحدة الأرض، ومصر تقاتل في المحافل الدبلوماسية لحماية وحدة الشرعية.
الاثنان، بطرق مختلفة، يتصدّيان للمنظور الدولي الذي يحاول تجزئة السلطة كمدخل لتفكيك السيادة.
في هذا السياق، يمكن فهم صمت القاهرة وعدم تورّطها في حرب التصريحات أو الإعلام.فهي تدرك أن معركة الأفكار أهم من معركة الخطابات، وأن استعادة مفهوم الدولة تتطلب أولًا إعادة تعريفها في الخطاب الدولي، لا مجرد الدفاع عنها ميدانيًا.ومن هنا، كان دعمها للجيش دعمًا لمفهوم الدولة الحديثة نفسها، ضد المشروع الموازي الذي يسعى إلى تحويل السودان إلى فضاء مفتوح للمرتزقة، والميليشيات، والشركات العسكرية الخاصة، وواجهات النفوذ الخارجي.
الدلالات الاستراتيجية للموقف المصري
ويواصل د. سلم،إن ما قامت به القاهرة في الملف السوداني يمثل، في جوهره، تجسيدًا لدور الدولة العربية المحورية التي تعي مسؤوليتها الإقليمية ؛فبينما اختار كثيرون في المنطقة الانخراط في صراعات النفوذ، اختارت مصر أن تكون حائط صدٍ سياسي أمام انهيار الدولة السودانية، وهذا ليس موقفًا إنسانيًا أو تضامنيًا فقط، بل” خيار وجودي”،
لأن سقوط السودان سيُحدث خلخلة جيوسياسية في الإقليم بأكمله، سيُضاعف التهديدات عبر الحدود الجنوبية المصرية، و سيخلق فراغًا أمنيًا في البحر الأحمر، وسيتيح لقوى إقليمية ودولية توظيف الأرض السودانية كمسرح صراع بالوكالة.لذلك، تتحرك القاهرة على ثلاثة مسارات متوازية وهى سياسيًا: تعديل الخطاب الدولي من المساواة إلى السيادة.دبلوماسيًا: الحفاظ على وحدة الموقف العربي ضمن الرباعية، ومنع تحويلها إلى أداة لتدويل الأزمة. استراتيجيًا: بناء شراكة أمنية طويلة المدى مع الجيش السوداني تضمن استقرار الإقليم بعد الحرب.
الرباعية بعد التصحيح المصري
وينوه الى انه وبعد أشهر من الضغط الدبلوماسي المصري، بدأت “الرباعية” تتخذ شكلًا مختلفًا عن نسختها الأولى ،فلم تعد منصة ضغط على الخرطوم، بل منصة تفاهم حول حماية وحدة السودان.
باتت القاهرة هي المرجع السياسي داخلها، والجيش السوداني هو المرجعية الميدانية على الأرض.
وحتى الشركاء الذين تبنّوا خطابًا غامضًا في البداية — كالرياض وواشنطن — اضطروا إلى تبنّي لغة أكثر احترامًا لمفهوم السيادة السودانية، بعدما أوضحت لهم القاهرة أن أي سلام لا يبدأ من الدولة سينتهي بانهيارها.
تحالف الدولة ضد منطق التفكيك:
في النهاية، ما يميّز الدور المصري والجيش السوداني هو أنهما يتحركان وفق منهج عقلاني دفاعي، لا انتقامي ولا توسّعي.
الجيش يقاتل من أجل الدولة، لا من أجل السلطة، ومصر تدعم من أجل الاستقرار، لا من أجل النفوذ.
وفي عالمٍ تتهاوى فيه الجيوش أمام المليشيات، وتُستبدل فيه السيادة بالتدخلات، يقدّم التحالف المصري – السوداني نموذجًا مضادًا لمعادلة الفوضى، نموذج يقوم على شرعية الدولة ووحدة القرار، لا على تفكيك المؤسسات وخلق “توازنات وهمية”،
ويلفت د. سلم بان مصر، بهذا التحرك، لم تدافع فقط عن السودان، بل عن فكرة الدولة العربية ككل، وفي المقابل، قدّم الجيش السوداني الدليل العملي على أن الدفاع عن السيادة ليس شعارًا بل فعلٌ وطنيٌّ كامل الأركان.
هذا التلاقي بين العقل المصري والميدان السوداني يعيد إلى الواجهة مفهوم “الدولة المركزية الحامية” الذي حاولت الحروب الحديثة إلغاؤه.ومن هنا، يصبح الموقف المصري ليس مجرد سياسة خارجية، بل رؤية حضارية شاملة لمستقبل الإقليم:
إما أن تُستعاد الدولة بوصفها الضامن الوحيد للنظام والقانون، أو تُترك المنطقة لمعادلة المليشيات والفراغات والوصايات.
زيارة ذاتدلالات عديدة
ويعتبر الكاتب والباحث السياسي د. ربيع عبد العاطي: “زيارة البرهان لمصر في هذا التوقيت لا شك أنها تحمل دلالات عديدة، أبرزها ما يتصل بالشان السوداني ـ المصري وما يتصل بأمن وسلامة البلدين بحكم الموقع الجغرافي كأرض واحدة ومساحة متصلة وشعب تتشابك جذوره وتتحد أصوله، خاصة وأن السودان يشهد حربا يخشى أن تمتد ألسنتها لتحيق بالبلدين الدمار كما نشاهد من آثار لا تخفى على أحد، مما يهدد السلم والأمن في المنطقة برمتها”.
على خطي غزة:
ويضيف ربيع في حديثه لـ”تسامح نيوز “،على ما يبدو أن الزيارة تأتي مناسبتها بشأن رؤية ما يسمى “بالرباعية” للأزمة بالسودان، وأن مصر إحدى مكوناتها، كما لا أستبعد أن تكون الحرب في غزة وما صاحبها من وقف لاطلاق النار وتحقيق السلام، له علاقة بما تم التباحث حوله وإلحاق ما يتم ترتيبه هناك لإحداث ما يشابهه بالسودان، بحكم أن مصر الدولة مستوعبة لاتجاهات الولايات المتحدة وخططها لسلام بالمنطقة وفقا لما ترى من أجندات، وليس السودان استثناء بل هو مركز للاستهداف.
هل تصنع القاهرة سلام السودان؟
ويذهب ذات محدثي عبد العاطي،الى ان التطورات الأخيرة التي جرت في مصر من توقيع اتفاق السلام في غزة وحضور الرئيس الأمريكي وقادة العديد من دول العالم والحديث عن وقف الحروب في المنطقة والعالم، قد يكون أحد أهداف زيارة البرهان بهذا التوقيت للتنسيق مع مصر وهي إحدى دول الرباعية، ومن هنا يأتي الربط بين ما يحدث بغزة وما يراد له بالسودان”.
عودة المليشيىا يعنى التصعيد
ويشدد د. ربيع بانه ليست هناك تهدئة تتخذ وفقا لما أرادته” الرباعية”، من حلول لأنها ستقابل بالرفض وعدم القبول، ويعزز حديقه بانه ـ وحسب التقصي لاتجاهات الرأي العام السوداني، فإن أي “إنتاج ينحو نحو إعادة الدعم السريع وأعوانه من السياسيين للمشهد”، سوف يسفر عن” تصعيد للحرب بأسوأ مما هي عليه الآن، وتلك روية لتفاقم الحرب وليست لإقرار السلام”





