
تقرير يكشف مآسي وفظائع لم تحدث في العالم تفعلها المليشيا تجاه الأسرى
استند تقرير لصحيفة واشنطن بوست إلى شهادات ميدانية صادمة تكشف نمطا منظما من الاختطاف الجماعي، والقتل، والابتزاز المالي، عقب سقوط مدينة الفاشر بيد مليشيا الدعم السريع.
واشارت الصحيفة إنها تحدثت إلى تسعة من ضحايا الاختطاف وأفراد من عائلاتهم وناشطين، ورغم صعوبة التحقق المستقل من كل شهادة بسبب انقطاع الاتصالات والحصار، فإن تطابق التفاصيل المتعلقة بأساليب الهجوم، وأماكن الاحتجاز، وطريقة معاملة الرهائن، يعزز مصداقية الروايات، ويؤكد ما وثقته منظمات حقوقية وشهود عيان. وينقل التقرير مشاهد مروعة عن مدنيين جرى احتجازهم جماعيا، وتعصيب أعينهم، ونقلهم “مثل الماشية”، ثم إخضاعهم للتعذيب والتجويع، وإجبارهم على الاتصال بعائلاتهم تحت تهديد السلاح لطلب فديات خيالية.

واورد التقرير تحليلا لناثانيال ريموند، رئيس مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، الذي يرجح مقتل عشرات الآلاف، ويتحدث عن وجود قوة بحجم لواء تعمل على إزالة الرفات البشرية وطمس آثار الجرائم، في مدينة توقفت فيها مظاهر الحياة تماما، بلا أسواق ولا حركة ولا نشاط مدني. كما يسرد شهادات عن إعدامات ميدانية، ودهس مدنيين بالمركبات المدرعة، من بينهم نساء وأطفال، وعن فرز المعتقلين على أساس قبلي، حيث كان الانتماء إلى الزغاوة أو قبائل إفريقية أخرى يعني القتل الفوري.
ويكشف التقرير أيضا عن الطابع المنهجي لاقتصاد الفدية، حيث يُقتل من يعجز عن الدفع بلا تردد، كما حدث مع محتجزين طلبوا تخفيض المبلغ، فتمت تصفيتهم فورا. وتنقل الصحيفة شهادات مؤلمة، بينها شهادة امرأة شابة قالت إن زوجها لم يكن يملك المال الكافي لفدية الجميع، فاختار إنقاذها وأطفالهما، ليُقتل أمام عينيها.
وفي السياق السياسي، يشير التقرير إلى أن السعودية تُعد أقرب إلى المؤسسة العسكرية، بينما تواجه الإمارات اتهامات بتقديم دعم عسكري ومالي لمليشيا الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي، رغم ظهور أسلحة بيعت للإمارات مرارا في مخازن المليشيا، وبدء أعضاء من الحزبين في الكونغرس الأمريكي بانتقاد الإمارات علنا وبالاسم. التقرير يرسم في مجمله صورة قاتمة لواحدة من أبشع الجرائم الجارية في السودان، ويقدم توثيقا دوليا بالغ الأهمية لما يجري في الفاشر بعيدا عن الأضواء.

وتحدثت صحيفة واشنطن بوست إلى تسعة من ضحايا الاختطاف وأفراد من عائلاتهم وناشطين من أجل هذا التقرير. ورغم أن الروايات الفردية لم يكن بالإمكان التحقق منها بشكل مستقل، فإن التفاصيل المتعلقة بأساليب الهجوم ومواقع الاحتجاز ومعاملة الرهائن تكررت وتطابقت في كثير من الأحيان مع تقارير شهود عيان ومنظمات حقوقية.
وتُعد المملكة العربية السعودية قريبة من المؤسسة العسكرية، في حين وُجهت اتهامات إلى دولة الإمارات بتقديم دعم عسكري ومالي لمليشيا الدعم السريع. وقد نفى القادة الإماراتيون هذه الاتهامات، إلا أن أسلحة بيعت للإمارات ظهرت مرارا في مخازن مليشيا الدعم السريع، كما بدأ قادة من الحزبين في الكونغرس الأمريكي بانتقاد الدولة علنا وبالاسم.
وقال ريموند: «لديك قوة بحجم لواء تعمل على تنظيف الرفات البشرية، من دون أي عودة إلى نمط الحياة الطبيعي، فلا نشاط عند نقاط المياه، ولا في الأسواق، ولا في الشوارع، ولا في وسائل النقل المدني». وأضاف: «يعتقدون أنهم مضطرون إلى التخلص من كميات كبيرة من الرفات البشرية بأسرع ما يمكن قبل أن يتمكن أي شخص من دخول المدينة».
وقال العامل الطبي إن أصدقاءه تمكنوا من التفاوض لخفض الفدية إلى 15 مليون جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 25 ألف دولار. وبينما كان ينتظر معرفة مصيره، جلب المقاتلون مزيدا من الشبان من الفاشر، وتلقوا توجيهات من قادتهم بالقتل دون تردد. ويتذكر محادثة قال فيها الآسرون: «يجب أن تقتلوا نصفهم للضغط على البقية كي يدفعوا».
وفي اليوم التالي، قال إن أصدقاءه حوّلوا المبلغ كاملا مقابل إطلاق سراحه، وتم الإفراج عنه قرب بلدة طويلة، حيث وجد كثير من الفارين من الفاشر ملاذا لهم
وقال: «حاول بعضهم الهرب، لكن الأمر كان ميؤوسا منه. قُتل عدد كبير من الناس. وتظاهر آخرون بالموت، فبقوا ممددين بلا حراك على الأرض مثلنا. ثم بدأت المركبات بدهس الناس».
وأضاف أن سائقي المركبات المدرعة كانوا يمسحون الأرض بأعينهم، ويدهسون كل ما يتحرك. وقال: «سُحق نحو 10 أشخاص، من بينهم شقيقتي. لم أستطع إنقاذها».
وقال: «كنت مع صديقي وزوجته. حاول أحد الجنود أخذ زوجته كخادمة، لكنه رفض وتمسك بها بقوة». ونتيجة لذلك، أُطلق عليه الرصاص، وسقطت زوجته فوقه. وقال أحد الجنود حينها: «اتركوهما، دعهما ينزفان حتى الموت».
وقال الرجل إن مقاتلي مليشيا الدعم السريع قاموا بتعصيب عينيه ونحو اثني عشر ناجيا آخرين، وربطوا أيديهم خلف ظهورهم. وأضاف أنهم نُقلوا «مثل الماشية» إلى زمزم، التي كانت في السابق مخيما للاجئين، ووُضعوا مع معتقلين آخرين. ثم، بحسب قوله، بدأ خاطفوهم بفرز المحتجزين على أساس انتمائهم العرقي، مستهدفين مجموعات ترتبط بميليشيات كانت قد دافعت عن الفاشر في مواجهة مليشيا الدعم السريع.
وقال إن كل شخص كان يُسأل عن قبيلته. وأضاف: «إذا قال أحدهم زغاوة أو إحدى القبائل الإفريقية، كان يُقتل. وإذا قال أحدهم إنه جندي، كان يُقتل أيضا».
وطلب اثنان من السجناء تخفيض المبلغ، قائلين إن أقاربهم لا يمكنهم جمع هذا القدر من المال. وقال الرجل: «قُتلا على الفور».
وقالت امرأة تبلغ من العمر 26 عاما، اختُطفت مع زوجها وأطفالها، لصندوق الأمم المتحدة للسكان إن زوجها لم يكن يملك ما يكفي من المال للجميع.
وأضافت: «لم يستطع إلا دفع الفدية لي ولأطفالنا. قتلوا زوجي أمام عيني».
ترجمة د/يوسف عز الدين كامل





