جعفر عباس يكتب: ورقة من دفتر قديم

الخرطوم تسامح نيوز
كانت طفولتي سعيدة، ولكن كانت أبعد ما تكون عن الصورة المخملية للسعادة، فقد تخللها رعي غنم، وعقارب، وتماسيح، وقمل، و”أمشي يا ولد جيب ملح من بيت خالتك زينب”، ولكن بصراحة وبكل فخر لم أكن أعاني من القمل كثيراً لأن شعر رأسي كان يتعرض للجزّ الكامل على الزيرو كل يوم جمعة، وبما أنني من أسرة برجوازية، فقد كانوا يضعون على فروة رأسي بعد الحلاقة مباشرة آفتر شيف after shave صناعة محلية: عجين دقيق الذرة بعد اختماره، وتخيل أن يكون لونك مثل لون ابي الجعافر (راجع الصورة أعلاه، مع الأخذ في الاعتبار أنها خضعت للمكياج المسمى فوتوشوب) ويكون رأسك الأجرد مكسوا بمادة شديدة البياض لنحو ثلاث ساعات! مشهد لو رأته واحدة من بنات آخر الزمان لصاحت: يمه.. واسلمت الروح. كان العجين خير ضمادة للرأس، أخذاً في الاعتبار أن الأمواس التي كانوا يحلقون بها شعر الرأس كانت تعود في معظمها إلى العصر التركي العثماني الوسيط، فالموس الواحدة كانت تستخدم نحو مائة مرة، على رؤوس الأشهاد وأعني بذلك رؤوس كل عيال العائلة وكل عواجيز العائلة، الذين كانوا أيضا يجزون ذقونهم بها بين الحين والآخر، وبالتالي لم تكن تلك الأمواس قادرة على جز الشعر من جذوره إلا بالحفر في فروة الرأس فتنزع أجزاء من الجلد وتُحدث تقوباً بركانية لا تتوقف عن النزف إلا بعد تغطيتها بالعجين.
ولم يكن الاستحمام أقل قسوة من الحلاقة، فرغم أننا كنا نستحم مرة واحدة في الأسبوع، وبالتحديد أيام الجمعة، فقد كنا نتمارض كي نتجنب الاستحمام الذي كانت أدواته جردل ماء، وطشت (نفس الطشت المستخدم في غسل الملابس)، وصابونة مكعبة لا تصدر عنها رغوة إلا بعد فركها بالجلد لنحو عشرين دقيقة، وطبعاً كنا نستحم بنفس الصابون المستخدم في غسل الملابس، وأواني الطبخ، وكان يحتوي على صودا كاوية تفل وتكوي الحديد، وعندما تتسرب إلى العين- لا حول ولا قوة إلا بالله. ولهذا السبب فإنني وإلى يومنا هذا أغمض عيني بقوة كلما غسلت شعر رأسي، مستخدما شامبو الأطفال، وبل وفي أحيان كثيرة أكتفي بغسله بالماء وحده، وكثيرا ماً أعجب عندما أرى أحد عيالي وهو في الثانية أو الثالثة يطالب بالاستحمام، ثم شيئاً فشيئا يستحم دون أن يطالبه أحد بذلك! بل قد يستحمون عدة مرات في اليوم الواحد (عيال آخر زمن)
أظن أن أمي كان تتولى “تحميمي” حتى بلغت العاشرة لأنني لم أكن أبادر فأستحم، وكانت تضع الطشت في وسط الحوش وأقف أنا مثل الأهبل أرتجف وتدخل علينا جاراتنا ويتسامرن مع أمي وأنا أقف هناك بلا حياء أصرخ – ليس طلباً للستر – بل لأن الصابون تسلل إلى عينيّ. وكانت حياتنا في معظمها ضرب في ضرب. في المدرسة يضربوننا لأقل هفوة، وفي الحي من حق كل من يكبرك سنا أن يضربك إذا رأى أنك على خطأ.. يعني المجتمع كله كان يتآمر علينا ويتولى تأديبنا ولعل هذا هو سر أن جيلنا يعرف “العيب” ويعرف قيمة الجار ويعف معنى توقير الكبار. ولكن المدرسين كانوا البعبع الذي يخيفنا، فقد كان من الأمور المألوفة أن يلجأ الآباء والأمهات إلى المدرسين ليشكوا من أن الولد رفض رعي الغنم أو رمي حجراً في بيت الجيران أو أرسلوه لشراء السكر فسَفَّ نصف الكمية.. ذات يوم أرسلتني أمي لشراء رطل سكر، فشرعت أسف منه حتى أدركت أن أمري سينكشف، فألقيت بنفسي في جدول ماء وعدت إلى البيت مبللا حزينا لأن السكر “ذاب في الماء”، ونجوت من العقوبة.





