
حادثة نبش القبر وزوبعة دعاة الفتنة!!
تابع الناس قضية نبش قبر أحد الموتى في الجزيرة في قرية الصقيعة (ضريح الشيخ ود كرجة)، وتقوم السلطات الأمنية هناك بالتحقيق في القضية وبيان ملابساتها، وستظهر نتائج التحقيق لعامة الشعب السوداني، وهذا ليس من شأننا وإنما هو شأن السلطة والجهات المختصة.

ونظرًا للصدى الإعلامي للحادثة، واستغلال بعض الناس له استغلالًا سيئًا رأيت أن أعلق عليها على النحو التالي:
أولًا:الواجب على المسلمين التأدب بآداب الإسلام والتزام توجيهاته في مثل هذه الحوادث؛ فالله سبحانه يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: ٦]، ويقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ».
رواه مالك والشيخان.
وكثيرون ممن تكلم في هذه الواقعة أطلق لنفسه العنان أن يرسل التهم جزافًا؛ فيقع في الكذب وظلم الآخرين.
ثانيًا:هذه القضية يُدان بها من قام بهذا العمل وهو نبش القبر، وتوجيه التهمة، ثم الإدانة والحكم، هذه مسؤولية السلطات العدلية، وكان الواجب على كل عاقل انتظار نتائج التحقيق لمعرفة المُدان بهذه الواقعة، أمّا إطلاق الاتهامات جزافًا وترتيب الإساءات والتجريح على ذلك فهو منكر واضح لا يليق بمسلم عاقل، فضلًا عن طلبة علم أو مشايخ، وهو داخل في عموم قول الله سبحانه: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: ٥٨].
ثالثًا:هذه الحادثة محتملة لأكثر من احتمال:
الأول:أن تكون عملًا تخريبيًا تقوم به جهات خفية مدعومة من الداخل والخارج؛ لإثارة الفتن بين طوائف المجتمع للاستغلال السياسي الرخيص، وقد برهنت لنا أحداث الحرب أن فئامًا من أبناء جلدتنا عملاء رخيصون يتآمرون على بلادهم مع العدو الخارجي، فلا يبعد أن تكون مثل هذه الحادثة فصلًا من فصول المؤامرة، كما لا يبعد أن تتلوها أمثالها.
الاحتمال الثاني:أن تكون نتيجة خلافات داخلية تعود إلى نزاع عائلي، أو طائفي داخل الطائفة الواحدة وفق حسابات لا نعلمها.
الاحتمال الثالث:أن يكون عملًا متهورًا ممن يرى أن هذا من تغيير المنكر المشروع في ظنه؛ فقام به احتسابًا حسبما يعتقد، خاصة إذا كان القبر داخل المسجد، ولا شك أن دفن الأموات في المساجد منكر واضح، لكن الشأن في من له تغييره.
وإذا كانت كل هذه الاحتمالات واردة فلا معنى للاستعجال، بل الواجب الانتظار ريثما تصدر نتائج التحقيق.
رابعًا:من المتقرر في الشريعة المباركة أن تغيير المنكر واجب كما في حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».
رواه مسلم.
لكن تغيير المنكر له فقهه وضوابطه ومن أهمها:
أن يتحقق وجود المنكر، والحكم على أمر ما بأنه منكر هذا من شأن أهل العلم وليس من شأن عامة الناس وصغار طلبة العلم.
ومنها: أن تغيير المنكر يكون على درجات كما في الحديث؛ فتغييره وإزالته باليد لا يكون إلا من له سلطان، إما سلطان خاص في دائرة ولايته الخاصة، وإما سلطان عام، وهذا من صلاحيات الحكام، ومن ينوب عنهم، ويتم ذلك وفق إجراءات رسمية على ضوء الحكم الشرعي والإجراء القانوني، وأي مباشرة له ممن لا سلطان له تعد افتئاتًا على السلطان، وجهلًا بقواعد تغيير المنكر، وخطأً يستوجب العقوبة.
خامسًا:بعض دعاة الفتنة سارع باتهام السلفيين أهل السنة وطفق يطعن ويجرح ويؤلب عليهم استغلالًا للحدث لأغراض طائفية، أو سياسية، أو ربما وراءه عدو خارجي، وهذا المسلك لا يقل إجرامًا من نبش القبر، بل هو أسوأ منه؛ فنبش القبر قضية محدودة، وما يقوم به المشار إليهم قضية عامة تمتد لتطال الأمن المجتمعي والقومي في وقت نحن أحوج ما نكون للعمل على الاصطفاف صفًا واحدًا مع القوات المسلحة والدولة.
سادسًا:السلفيون أهل السنة مكون أصيل في المجتمع السودان، وهم من أكثر الناس فضلًا على مجتمعهم؛ يدعونه إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ ويعلمونه التوحيد والسنة، ويدعونه إلى الصلاح والعفاف، ويقفون معه في السراء والضراء، ومواقفهم في الكوارث والأزمات، وبناء المساجد، وكفالة الأيتام، وتقديم الخدمات العلاجية مشهودة معلومة لا ينكرها إلا جاحد، وفي هذه الحرب كانوا من أكثر الناس وقوفًا مع القوات المسلحة والدولة،
تجدهم في معسكرات الاستنفار، وميادين القتال، ومنابرهم في كل أرجاء البلاد تصدع بالحق تنويرًا وتبصيرًا، وتثبيتًا، وتأصيلًا، وقنوتًا ودعاءً، وتجدهم في ساحات الإغاثة والمخيمات والعمل الخيري، كل ذلك في وقت خرست فيه كثير من الألسن، وغابت عن الساحة طوائف عدة كانت تملأ الأرض ضجيجًا، فاختفت وتوارت عن الأنظار، بل منهم من تواطأ مع الأعداء، ثم يأتي بعضهم اليوم ليستغل حدثًا عابرًا للطعن في أهل الحق والتأليب عليهم زورًا وبهتانًا، وظلمًا وعدوانًا.
والسلفيون أهل السنة بفضل الله معروفون بالمنهج المعتدل والمنضبط بالكتاب والسنة، وقواعد الشريعة ومقاصدها، وهذا معروف عنهم على مدى قرن من الزمان في هذه البلاد.
وأما المتنطعون والغلاة فهم موجودون في كل الطوائف ولا يمثلون إلا أنفسهم، ولم يسلم منهم أحد، وأفعالهم وأقوالهم تمثلهم وهم مسؤولون عنها.
ولا تزر وازرة وزر أخرى.
سابعًا:الشعب السوداني شعب واع، ولعله ازداد وعيًا وخبرة وصلابة من أحداث الحرب الظالمة الغاشمة، فالمرجو منهم التحلي بالحكمة والصبر، وألا يستجيبوا لدعاة الفتنة، وألا ينجروا خلف الشائعات، وألا تشغلهم مثل هذه الحوادث العارضة عن قضية بلادهم الأساسية ومن الاصطفاف صفًا واحدًا في وجه العدوان الذي تواجهه بلادنا، والمضي قدمًا في معركة الكرامة حتى النصر بإذن الله، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: ٢١].
فضيلة الشيخ الدكتور حسن أحمد الهواري حفظه الله





