المقالات

حيدر التوم يكتب..سد النهضة “خياران لا ثالث لهما”

اما تقليل إثيوبيا سعة تخزين السد من 74 مليار متر مكعب الي حد الامان بالنسبة للسودان وهو 13 مليار م م .. أو تدميره بواسطة دولتي مصر والسودان قبل يونيو القادم ..

ما زالت إثيوبيا تتمترس وراء موقفها الأحادي العدائي وإصرارها علي بدء عملية الملء الثاني للسد في يونيو المقبل ( والتي اتوقع له أن يبدأ فعليا قبل ذلك) بحجم ١٣ مليار متر ، ( والتي أيضا اتوقع له أن يتجاوز هذا الرقم الي حوالي 20 مليار م م) وترفض بإصرار غريب أي دعوة للتوافق أو التشاور مع دولتي المعبر والمصب حول هذا الأمر، بل *وترفض بصورة قاطعة مجرد مناقشة مقترح السودان والخاص بتكوين اللجنة الرباعية من الأمم المتحدة وامريكا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الافريقي* .. وتصر فقط علي مسار واحد هو *مسار الاتحاد الافريقي الضعيف* ، والذي تتوقع منه انحيازا لجانبها في أي مفاوضات أو اتفاقيات ، معولة على احتضانها لمقر الاتحاد الافريقي وللعديد من هيئاته ..

كل هذا يجب قراءته مع تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي اليوم ، والذي ذكر فيها بأن إثيوبيا لها الحق في التصرف في 86% من مياه النيل الازرق ، مع *عدم اعترافهم باي اتفاقيات دولية سابقة لتقاسم المياه ..*

ولكن لماذا هذا الموقف الاثيوبي المتشدد ولماذا الاصرار عليه، رغم علمها بعظيم ضرره علي الدول الأخري ، ورغم معرفتها بأنها وبفعلها هذا *تتجاوز الاعراف والقوانين الدولية الخاصة بالمياه والأنهار والحقوق التشاركية للدول المشاطئة المستفيدة ..؟*

أعتقد أن هناك العديد من العوامل التي يمكن ايرادها كمسوغات للموقف الإثيوبي .. *ويمكن إيجاز بعضها في الآتي ..*

…. السد كان وما زال يمثل حلما إثيوبياََ وطنيا يسعي ويهدف الي *توحيد العرقيات المتنافسة المتصارعة المكونة للدولة الإثيوبية الهشة* ، لهذا فإن المحافظة عليه ، مع أخذ *مواقف متطرفة في الدفاع عنه ، هو أمر تعتبره الحكومة حجة ودليلا علي استقلالية القرار الإثيوبي وقوته ، وهو أحد أهم مطلوبات المرحلة لدعم مركزية الدولة الفدرالية* ،خاصة بعد حرب التقراي وافرازاتها السالبة وتواصل *تبعاتها واهتزازاتها الارتدادية* شديدة الضرر علي الدولة الإثيوبية *وعلي ابي احمد شخصيا* ..

…. الضغوط المتزايدة علي الحكومة وعلي رئيس وزرائها ابي احمد ، وما يعنيه ذلك من *احتمال انهيار للجبهة الداخلية ، الأمر الذي سوف يؤدي إلي تفتت فدرالية الدولة مع تعالِى دعوات الانفصال المحمية بالدستور من بعض العرقيات* .. مما يدفعه الي البحث عن مخرج مشرف له ، عبر خلق عدو خارجي يعيد *اصطفاف الشعب الإثيوبي وتوحيده ضمن إطار أيقونة وطنية ، وليس هناك ما هو افضل من السد لإنجاز ذلك* ..

… *خلق حالة من الثبات وتجاوز حالة عدم اليقين فيما يحيط السد وعمليات تنفيذه لقبر كمية الفساد المهول الذي صاحب بنائه* ، والذي تورط فيه العشرات من جنرالات الجيش الاثيوبي ،وتحديدا شركة *ميتيك الهندسية للصناعات العسكرية* ، التابعة للجيش الفدرالي ، وهي المتورط الأكبر في عمليات الفساد والتي بددت أكثر من ملياري دولار في مشاريع فاسدة .. ( راجع مقالي السابق حول السد وحتمية تدميره)..

*…. إشغال المجتمع الإثيوبي وإلهائه عن مشاكله الداخلية ، وصرفه عن حجم الفساد والتردي الاقتصادي ، والمشاكل السياسية المستفحلة ، وسياسة خلط الأوراق ، والسعي لتجاوز جرائم حرب التقراي ، والتي تقع تحت المسئولية الشخصية والأخلاقية المباشرة لديكتاتور إثيوبيا الحائز على جائزة نوبل للسلام*، والتي توقعت سابقا بصرفها ونزعها عنه ، بعد انكشاف حجم التجاوزات الأخلاقية والإنسانية التي صاحبت حرب ابي احمد ضدشعب التقراي ، والتي تعامل معها ، وادارها *كموقف شخصي وحسمها ضمن إطار الكراهية التي يكنها لرفقاء الامس من قادة جبهة تحرير التقراي والتي امتدت الي عموم شعب تقراي ..*

……وقد يكون أن إثيوبيا تسعي إلي خلط أوراق الدولتين ، *وجرهما للتفاوض حول ما يسمي بالحقوق التاريخية لهما في مياه النيل وإعادة التفاوض حول اتفاقية تقاسم المياه ..*

…. سبب اخر متعلق *بسعي إثيوبيا الي امتلاك القنبلة المائية أو سلاح الردع الإثيوبي* ، والتي تأمل باستعمالها ضد السودان لتسهيل تمرير أجندتها ،خاصة مع *وجود استخباراتي كثيف لها في الخرطوم وعموم السودان* ، وجالية تقدر باكثر من خمسة ملايين إثيوبي بلا اوراق ثبوتية ، مع نجاحها في إيجاد *حلفاء لها داخل أجهزة الدولة العليا* ، خاصة الحكومة المدنية *وبعض الأجهزة الحساسة ،* ونجاحها في استميال واستقطاب بعض النافذين لصفها ..

*وهو أمر يؤكده النشاط الاستخباري الاثيوبي ، والذي قاد في الأيام السابقة حملات منظمة ومكثفة ضد مصر ، من خلال مواقع حملت أسماءا سودانيه ، صممت خصيصا لهذا الامر ، وهي حملات سعت لضرب العلاقة بين السودان ومصر وفصم عراها* ، وقد وجد هوي لدي العديد من الناس ، فركبوا موجته ، من غير استبصار للأهداف الحقيقية له ، وهو تحرك تسنده *مواجد تاريخية وإعلام مصري متهافت* ، ومن غير إدراك لحجم *شبكة الخداع والزيف الاثيوبي التي تم نسجها باحترافية* ..

ما سقته أعلاه يمثل جزءا من تبريرات قد تقدم تعليلا للموقف الإثيوبي المتطرف ، *ولكن هذا لا يمنعنا من طرح السؤال المهم ، الا وهو ..*

*ماذا يريد السودان من إثيوبيا ؟ وتحديدا ضمن اي إطار يقدم اطروحاته ؟*

وللاجابة علي هذه التساؤلات، *اقول* ..

*.. اذا كانت الحكومة السودانية تريد التفاوض حول كيفية الملء ضمن إطار السعة المحددة آنفا وهي 74مليار م م ، فنقول لهم أن هذا الأمر قد طُويت صفحته وتجاوزته الأحداث* ، خاصة بعد أن اتضح أن السد ، والذي شابت مراحل بنائه *عمليات متعاظمة من الفساد ، اعترفت بها الحكومة الإثيوبية قبل غيرها ، والقت القبض على العديد من جنرالات الجيش من العسكريين وبعض المدنيين المشاركين فيه ، خاصة بعد اغتيال مديره السابق سيمنجو بيكلي لاسكاته الي الأبد عن الصدح بالحقائق وكشف المستور* ، وايضا *اغتيال الشخص المسؤول والمورد الرئيسي لأسمنت السد الفاسد ، المفارق للمواصفات والذي استعمل في صب القواعد الاساسيه للسد* ، وبعد أن ظهرت لاحقا العديد من الدراسات العلمية التي أكدت *أن نسبة انهيار السد في سنواته الثلاث الاولي تتجاوز 80%* ..

لهذا علي الحكومة السودانية أن تحدد موقفها التفاوضي حول *سعة السد وليس كيفية ملئه*…. *وسعة السد المطلوبة هي التي تكون في حدود الامان بالنسبة للسودان وسدوده وخزاناته ، اي سعة تخزينية لا تتجاوز 13 مليار م م* ، وان لا يسمح السودان لإثيوبيا باي تخزين *فوق هذا الرقم مهما كان ، ومهما كانت العواقب .. فالسد بسعته المفترضة والبالغة 74 مليار م م مهدد وجودي لكل السودان النيلي وما حوله* ..

علي الحكومة السودانية أن تكون واضحة وحاسمة حيال هذا الأمر ، وان تكون مطالبها واضحة في *ضرورة إعادة النظر في السعة التخزينية للسد، والهبوط بها لحدود الامان* ، وفقا لما استجد من أمور ووفقا لما تكشفت عنه الدراسات العلمية اللاحقة *وما ابانته المخاطر واوضحته اكتشافات الكهوف الجيرية تحت جسم السد* ..

من الواضح *أن إثيوبيا تشتري الوقت لتحقيق أهدافها* حتي تصل إلي شهر يونيو القادم ، وبداية الفيضان ، والبدء في *الملء الأحادي ومن ثم امتلاك القنبلة المائية والتي تخطط لتركيع السودان بها* ، وتحقيق جملة من أهدافها ، سبق وأن ذكرتها في مقالي السابق ..

إن الزمن يتلاحق والوقت يتناقص ، والتاريخ الذي حددته إثيوبيا لملء السد الاحادي يدنو رويدا رويدا ، وإثيوبيا التي تجيد الخداع سوف تعمل علي استهلاك ما تبقي من وقت في مماطلات أو بالكثير مفاوضات عبثية ، وهو أمر يجب أن لا تسمح الحكومتان المصرية والسودانية به …

*ولكن ما هو الخيار المتاح للدولتين ..؟*

من الواضح أن التصرف الإثيوبي يعمل الي *إلغاء أي خيارات للدولتين ولا يبقى إلا على خيار واحد إلا وهو العمل العسكري وتدمير السد نهائيا* …

*ومن المؤكد أن إثيوبيا تعرف ذلك ، بل وتدفع اليه الدولتين دفعا ..*

*ولكن لماذا ؟*

نرجع الي ما سقناه آنفاً ، حول *فرضية خلق العدو الخارجي لإعادة البعث الاثيوبي وتوحيد القوميات حول هدف وطني سامي* ، متجاوز للقومية والعنصرية ، وهو شئ في الأساس سوف *يخدم ابي احمد والطغمة الحاكمة في أديس ، ويخفف عنها الكثير من الضغوط ، ويعطي القومية الإثيوبية العليا فرصة لتتنفس من رئة الوطن الواحد* .. كما يعمل علي إعطاء المبررات لفرض *المزيد من القيود وتشديد الطوق الأمني علي المواطن ، وإرهاب الدولة ، وشرعنته ، وسهولة استدعاء سلاح الاتهام بالخيانة الوطنية ودعاوي الاصطفاف مع العدو ، ومحاربة الدولة ، ومعاداة الشعب ، وتقديم التبريرات الجاهزة للمشاكل الاقتصادية وإسكات المعارضات والمطالبات العرقية وخلق المبررات الوطنية الزائفة لكبتها في مهدها بإسم مصلحة البلاد العليا* ..

*شيئ اخير …*

*ولكن ماذا لو كانت إثيوبيا تسعي لنصب فخ للدولتين لضرب السد ومن ثم تحميلهما العواقب الأخلاقية والمادية عن ذلك …؟*
وهي فرضية لا نستطيع إسقاطها ، إذ أن لها العديد من الشواهد ، *خاصة وأن الإصرار الاثيوبي للانفراد بالقرار حول السد لا يمكن تفسيره الا ضمن هذا الإطار ..*
ولايضاح هذا الأمر أكثر نقول ..

إن الملء وحتي يكون له جدوي ، يستوجب إقامة *بعض المنشآت المصاحبة المهمة ، وهو أمر لم تقم به إثيوبيا الي اليوم علي حسب صور الأقمار الصناعية ..!!*
فهل أدركت اثيوبيا اخيرا *ورطتها في هذا المشروع ، وتبديدها لأموال الشركاء والممولين ، والتي تفوق الأربعة مليارات دولار ، نتيجة لأبحاث ودراسات خاطئة مضللة وضعيفة ، مع فساد كثيف لازم إنشائه ..!!؟*
وهل أفاقت حكومة أديس من نومها واستيقظت عن حلمها والذي عاشت فيه عشرة أعوام ، *لتجد نفسها وقد حصدت الحصرم ، وأنها مطالبة بتقديم أجوبة شافية لهؤلاء الشركاء والممولين* والذي يتعدي عددهم الاربعين جهة ، ما بين دولة ومؤسسات مالية وصناديق استثمار وبنوك .. *عن مصير أموالهم ، وكيف استخدمت ، وحجم الخداع الذي انتاشهم ..؟*

*هل حانت لحظة الحساب ؟*

*وهل تبحث الحكومة الإثيوبية عن كبش فداء تقدمه للشعب الإثيوبي ،* *بعد أن استبان لها أن مشروع القرن والذي قصدت به توحيد الأمة الإثيوبية صار في خبر كان ، بعد أن عصفت به مخاطر الانهيار الماثلة الناتجة عن الفساد الذي لازم إنشائه، منذ مرحلة إعداد دراساته وحتي مراحل صب اساسياته الاسمنتية ؟*
*وأنه لو انهار من تلقاء نفسه سوف يكون عامل هدم سياسي واجتماعي واقتصادي ، وان الحكومة لا محالة ساقطة ، وان الدولة مصيرها الي تفكك وزوال .. لهذا لا بد من جهة أخرى تتحمل المسؤولية ..!!؟*

وهل تفكر الحكومة الإثيوبية في خلع ثياب المسئولية عنها والباسها للسودان ومصر عبر دفعهم دفعا لحمل وزر تدمير السد ، ومن ثم بداية المطالبات بالتعويضات اللازمة وضرورة دفعها بواسطة الدولتين ..؟

وهو الأمر الذي يعني انتقال اثيوبيا من  خانة الجلاد إلي خانة الضحية ؟

هل تفكر إثيوبيا وفقا لهذا السيناريو ..؟

حتي ولو كان الأمر كذلك .. *فلا خيار للدولتين غير تدمير السد ..*
وهو أمر يجب أن تسبقه اتصالات مباشرة بهؤلاء الشركاء والممولين مع شرح *موقف الدولتين منه والتأكيد على عدم تحملهم لاي مسؤولية أخلاقية أو مادية تنتج عن تدمير السد ، لأنه عمل يقع في خانة الدفاع المشروع* ، وأن إثيوبيا هي من تتحمل *أي تبعات أخلاقية ومادية للسد سواء إنهار أو دمر ..*
لهذا يجب أن نتجاوز الخدعة الإثيوبية ونعلن ان التفاوض يجب أن يكون علي سعة السد وليس علي ملئه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى