المقالات

د عبد اللطيف البوني: حين تفشل الأيديولوجيا ويتقدم سؤال التنمية!!

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

في الحلقة الثانية مع البروفيسور عبد اللطيف البوني، لا يبدو الحديث عن السودان بوصفه بلداً مأزوماً شأناً عاجلاً، بل حقيقة قديمة نعيد اكتشافها كل مرة من زاوية جديدة. سبعون عاماً من الدوران في حلقة مغلقة، ثورة تلد انقلاباً، وانقلاب يتغذى على خيبة ثورة، ودولة تقف طويلاً عند عتبة البداية، دون أن تعبر.

لم يكن بروف البوني في هذه الحلقة داعية إلى يقين جديد، ولا باحثاً عن اصطفاف مريح. بل كان أقرب إلى شاهد يحاول أن يرى المشهد كاملاً من المسافة الوسطى، التي تبدو باردة للغاضبين، لكنها – كما يراها – الوحيدة القادرة على إنتاج فهم قابل للبقاء. وهذه إحدى رسائل تجربة عموده الصحفي الشهير “حاطب ليل” التي لم تُبنَ على الصدمة، بل على التراكم، وعلى السؤال بوصفه أداة مقاومة في زمن الشعارات الجاهزة.

يتحدث بروف البوني عن غياب العقل السياسي الرشيد كفراغٍ بنيوي رافق الدولة منذ الاستقلال. وكيف أن السياسة – حين تُدار بلا فكر – تتحول إلى علاقات عامة، وكيف أن الدولة – حين تُدار بالأيديولوجيا – تنسى قيمة الإنسان.

من هنا تأتي دعوته الصريحة لمغادرة صراعات اليمين واليسار، والتوجه نحو الدولة التنموية، حيث تكون الزراعة – لا الريع – هي المحرك الأساسي للاقتصاد، وحيث تُستعاد قيمة الحيازات الصغيرة، وتجارب النجاح المنسية، من مشروع الجزيرة إلى نماذج عالمية لا تُستنسخ، بل تُفهم.

في عمق الحلقة، يعود سؤال الهوية بوصفه سؤالاً مؤجلاً لا يمكن تجاوزه. التعايش السلمي، الصراعات القبلية، اللغة، والفنون، كلها ليست هوامش، بل عناصر تأسيس في بناء الأمة.

القوى الناعمة – التي أُهملت طويلًا – تظهر عند بروف البوني كرافعة أخلاقية وثقافية، قادرة على ترسيخ معنى الأمة حتى في زمن التفكك.

هذه الحلقة لم تكن عن حلول نهائية، ولا عن وصفات سريعة لبلد شديد التعقيد، بل عن معنى أن تكتب وأنت تعرف أن الكتابة لا تغير الواقع فوراً، لكنها تغير طريقة النظر إليه. فالدول قد لا تُبنى بالمقالات، لكنها كثيراً ما انهارت حين غاب التفكير، وحين صار الصوت أعلى من العقل، وأسرع من الحكمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى