د مروة فؤاد قباني: قراءة في دلالات عودة البنك المركزي والمصارف التجارية
متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز
تمثل عودة بنك السودان المركزي لمباشرة أعماله من داخل ولاية الخرطوم واحدة من أهم الخطوات الإستراتيجية في مرحلة ما بعد الحرب، ليس بإعتبارها إجراءً إدارياً فحسب، بل بوصفها تحولاً مؤسسياً يعكس انتقال الدولة من إدارة الصمود والأزمة إلى إدارة التعافي وإعادة البناء الاقتصادي.
فالسياسة النقدية ليست مجرد أدوات فنية لضبط التضخم والسيولة فحسب، بل هي إحدى ركائز السيادة الوطنية، وعودة مركز القرار النقدي إلى العاصمة تعني استعادة جزء أساسي من قدرة الدولة على توجيه اقتصادها واستعادة ثقة مواطنيها ومؤسساتها.
إن عودة البنك المركزي إلى مقره الطبيعي في الخرطوم تتيح إدارة أكثر فاعلية للعملة الوطنية، وتعزز قدرة الدولة على ضبط معدلات التضخم وإدارة السيولة والاحتياطات النقدية، كما تسهم في تحسين التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية، بما يدعم إستقرار الاقتصاد الكلي ويؤسس لمرحلة أكثر انتظاماً في إدارة الموارد العامة.
كما تمنح هذه العودة صناع القرار قدرة أكبر على الاستجابة السريعة للتحديات النقدية والمالية التي تتطلب وجوداً مباشراً ومركزياً في قلب الجهاز التنفيذي للدولة.
وتشكل عودة المصارف التجارية وفتح فروعها في الخرطوم خطوة مكملة ومحورية لعودة البنك المركزي، إذ تمثل الإطار التنفيذي الذي تنتقل عبره السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي. فالمصارف هي القنوات التي تضخ التمويل للقطاع الإنتاجي والتجاري، وتحرك عمليات الإيداع والسحب والتحويلات، وتعيد بناء الثقة بين المواطنين والنظام المصرفي.
وفي هذا السياق، تأتي إجراءات السماح بتداول فئتي الألف والخمسمائة جنيه اعتباراً من 12 فبراير 2025 ضمن عملية استبدال العملة وضبط التداول النقدي، حيث ألزمت التوجيهات المصارف بتوسيع نوافذ الخدمة، وتوفير ماكينات عد وفرز النقود وكشف التزييف، مع حظر نقل النقدية بين الولايات. وتمثل هذه الإجراءات خطوة مهمة نحو تنظيم الكتلة النقدية، وتقليص الاقتصاد غير الرسمي، وتعزيز الشمول المالي.
ولا يقل البعد المؤسسي لهذه الخطوة أهمية عن بعدها الاقتصادي، إذ تؤكد عودة البنك المركزي إحدى أهم مؤسسات السيادة الاقتصادية إلى العاصمة، بما يعزز انتظام عمل الدولة ويعيد التنسيق بين وزارة المالية والضرائب والجمارك والأجهزة الرقابية. ويُعد هذا التناغم المؤسسي شرطاً أساسياً لمعالجة الاختلالات المالية والنقدية التي تفاقمت بفعل الحرب والانقسام الجغرافي للمؤسسات، كما يساهم في تحسين كفاءة اتخاذ القرار وتطبيق السياسات العامة.
كما تحمل عودة البنك المركزي والمصارف التجارية رسائل طمأنة قوية للمواطنين والقطاع الخاص بأن الخرطوم تشهد عودة تدريجية للحياة الاقتصادية، وتبعث برسائل إيجابية للمستثمرين والمؤسسات الإقليمية والدولية بأن السودان يدخل مرحلة يمكن البناء عليها لإعادة العلاقات المالية وجذب الدعم وتمويل مشاريع إعادة الإعمار. وفي اقتصاد هش، تُعد الثقة أهم عملة، وعودة المؤسسات المالية تمثل بداية استعادة هذه العملة غير المرئية.
ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تظل إجراءً تأسيسياً ضمن مسار طويل يتطلب إصلاحات هيكلية عميقة، وتحديث البنية التحتية المصرفية والرقمية، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتكامل السياسات المالية والنقدية. كما أن نجاح عملية تغيير العملة يتطلب إدارة دقيقة للتوقعات، وتواصلاً فعالاً مع الجمهور لتجنب المضاربات والشائعات التي قد تقوض الاستقرار النقدي وتقيد جهود التعافي الاقتصادي.
إن عودة بنك السودان المركزي والمصارف التجارية إلى ولاية الخرطوم تمثل عودة شرايين الاقتصاد الوطني إلى مركزه الطبيعي، وتؤسس لمرحلة جديدة تنتقل فيها الدولة من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي وإعادة الإعمار. غير أن تحويل هذه الخطوة الرمزية إلى تعافٍ اقتصادي حقيقي يتطلب إرادة سياسية واضحة، وإصلاحات مؤسسية جادة، وشراكة مجتمعية فاعلة، حتى تتحول عودة المؤسسات إلى عودة الدولة بكل وظائفها وقدرتها على قيادة التنمية والاستقرار على المدى المتوسط والطويل.
د. مروة فؤاد قباني
خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي





