
متابعات | تسامح نيوز
يعد ما عرف بـ”اتفاق جوبا لسلام السودان” (2020) أحد أبرز مخرجات المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط النظام السابق، غير أن الاتفاق، بدلا من أن يؤسس لسلام دائم ويعيد بناء الدولة على أسس وطنية راسخة، أسهم بصورة مباشرة في تكريس واقع المليشيات وتوسيع نفوذ الجيوش الموازية داخل المجال المدني. فقد جاء في ظل فراغ دستوري وسيولة سياسية عارمة، الأمر الذي حوله إلى تسوية سياسية مرتبكة أكثر من كونه مشروعا وطنيا متكاملا للسلام. ومن ثم، شرعن لمحاصصة مسلحة أضعفت مركزية الدولة، وأعادت إنتاج بؤر التوتر في مناطق كانت أكثر أمنا واستقرارا.
وفي هذا السياق، يبرز قرار الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، بتعديل بعض بنود الاتفاق بوصفه تحولا سياسيا لافتا، إذ ينقل الاتفاق من حالة “التسوية السياسية المعيوبة” إلى صيغة مشروطة بضرورة الانحياز إلى مركزية الدولة ووحدة مؤسساتها. ورغم أن هذه التعديلات تحمل بعض الملامح الإيجابية في اتجاه معالجة اختلالات الاتفاق الأصلي، فإنها لا تزال تدور في إطار المعالجات الجزئية والترقيع الدستوري، في ظل غياب مؤسسات تشريعية منتخبة وإرادة شعبية مكتملة التعبير.
ومن الناحية القانونية، يثير التعديل جملة من الإشكالات الجوهرية، ذلك أن أجزاء واسعة من اتفاق جوبا أدرجت في الوثيقة الدستورية لعام 2019 بمبررات سياسية أكثر منها دستورية، فأصبح الاتفاق جزءا من بنية انتقالية مضطربة تفتقر، هي نفسها، إلى التوافق الوطني الكامل. لذلك فإن تعديل بعض بنوده أو إلغاءها يتم في سياق دستوري مرتبك، لا يستند إلى تفويض شعبي واضح أو مرجعية قانونية مستقرة. ومع ذلك، يمكن الاستناد إلى مبدأ “سقوط الالتزام بالإخلال الجوهري”، خاصة بعد عودة بعض الحركات إلى التمرد ورفع السلاح مجددا في مواجهة الدولة.
سياسيا، يعكس القرار نهاية مرحلة “المحاصصة المسلحة” التي أفرزها الاتفاق، والتي أدت إلى تضخم مراكز القوى المليشياوية وإضعاف مؤسسات الدولة، حتى تحولت بعض الحركات إلى كيانات عسكرية موازية تنازع الدولة سلطتها وهيبتها. ومن ثم، تبدو التعديلات محاولة لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة المركزية، وإنهاء معادلة “السلام مقابل السلطة”، تلك المعادلة التي أفرزت سلاما هشا قائما على توازن السلاح لا على استقرار الوطن.
غير أن التعديلات، في المقابل، لم تعالج جذور الأزمة بصورة كاملة، إذ أبقت على كثير من التعقيدات المرتبطة بالسلاح، وقضايا الأراضي والحواكير، والعدالة الانتقالية، وهي ملفات ظلت مؤجلة تحت ضغط التوازنات السياسية والعسكرية. كما أن الإبقاء على حالة التسليح وتمدد النفوذ العسكري للحركات يجعل السلام أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى مشروع وطني مستدام.
ومع ذلك، فإن التمسك بخيط الأمل، مهما بدا واهنا، يظل أمرا ضروريا. فقد تمثل هذه الخطوة بداية مراجعة حقيقية لفلسفة الاتفاق، وتمهد لبناء جيش وطني موحد، وتقليص المحاصصة، والانتقال من شرعية السلاح إلى شرعية الدولة. غير أن نجاح ذلك كله يظل رهينا بقدرة السودانيين على تأسيس عقد وطني جديد يستمد شرعيته من الإرادة الشعبية الحرة، لا من موازين القوة العسكرية وتقلبات السياسة. فالسلام الحقيقي لا يصنع بالترقيع، بل ببناء دولة عادلة تنهي الفراغ الدستوري وتعيد للوطن توازنه المفقود.





