المقالات

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٣)

متابعات | تسامح نيوز 

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٣)

د. ياسر محجوب الحسين

ما تزال الأمواج الناعمة تضرب برفقٍ صخورَ شاطئِ الصحافة، لتمسح عنها بعضَ رهقِ المهنة ولغوبها، وتكشف ملامحها الأصيلة.

واليوم، وضمن الحلقة (٣)، نقدّم نخبةٌ مختلفة؛ لا تصنع حضورها بالضجيج، ولا تفرض أثرها بالصدام المجاني، بل تراكِمه بالصبر، والمعرفة، والالتزام الأخلاقي العميق بجوهر المهنة.

هذه المحاولات التوثيقية ليست احتفاءً بأسماء بقدر ما هي توثيق لمسارات؛ مسارات صحفية آمنت بأن الصحافة فعل بناء قبل أن تكون ساحة مواجهة، وبأن التأثير الحقيقي لا يُقاس بسرعة الانتشار فحسب، بل بعمق الفكرة، واستدامة الأثر، ونظافة الوسيلة. هي نماذج تمثّل أجيالا مختلفة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: الإيمان بالصحافة بوصفها مسؤولية عامة، ومجالا للإصلاح، وجسرا بين المجتمع ووعيه بذاته.

هنا نقترب من تجارب صحفية اختارت المبادرة بدل الانتظار، والعمل الهادئ بدل الاستعراض، والوضوح بدل المواربة. نخبة جديدة – أو متجددة – تؤكد أن الصحافة، مهما قست الظروف، لا تزال قادرة على إنجاب من يحرس معناها، ويجدد دمها، ويكتب أثره لا على سطح الموج، بل في عمق الصخر.

الهندي عز الدين

عرف الهندي بوصفه صانعاً للمشاريع الصحفية متجاوزا مرحلة المشاركة فيها، إذ امتلك منذ وقت مبكرة قدرة لافتة على تحويل الأفكار إلى منصات عمل حقيقية، وهي سمة تزداد إدهاشاً عند التوقف عند صغر سنه حين أطلق أول مشاريعه الصحفية “المجهر السياسي” ؛ فبينما كان كثيرون في عمره لا يزالون يطرقون أبواب التوظيف، كان هو منشغلاً بالتأسيس والبناء وتحمل مسؤولية القرار.

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٣)

ولم يكن هذا التوجه الريادي منفصلاً عن بعدٍ أخلاقي واضح، إذ يحفظ له من عملوا معه إنصافه لحقوق العاملين، سواء على مستوى التقدير المهني أو العدالة في تحديد الأجور والوفاء بها، ما جعله محل احترام، وأكسب مشاريعه قدراً من الاستقرار والثقة.

أما على مستوى الكتابة، فيُعرف بـ “القلم المصادم”؛ قلم لا يهادن القضايا العامة ولا يتجنب الاشتباك مع الأسئلة الصعبة، لكنه في الوقت ذاته لا يلجأ إلى الإثارة المجانية. هذا القلم يتكئ على وضوح الطرح، حيث تأتي أفكاره مباشرة، محددة، وقابلة للفهم دون تعقيد متعمد، ويعزز ذلك عدم المواربة في المواقف، إذ يعلن رأيه صريحاً ويتحمل تبعاته، رافضاً الالتفاف اللغوي أو الاحتماء بالغموض. وبهذا التلاقي بين روح المبادرة، والالتزام المهني، ووضوح الطرح، تشكلت شخصية صحفية ذات ملامح خاصة، استطاعت أن تترك أثراً يتجاوز عمر التجربة الزمنية إلى عمقها وتأثيرها.

 

جمال عنقرة ُ

ينظر إلى الاستاذ جمال عنقرة بوصفه سفيراً للصحافة السودانية، ليس من باب المجاز وحده، بل لما اضطلع به فعلياً من دور تمثيلي جعل حضوره يتجاوز حدود المهنة إلى فضاء التأثير العام. فقد حمل همّ الصحافة السودانية إلى المحافل والدوائر المختلفة، مقدّماً نموذجاً للصحفي القادر على الجمع بين المهنية والتمثيل المشرف.

وإلى جانب ذلك، عُرف عن عنقرة كونه مبادراً في المشاريع الاجتماعية التي تخدم الوسط الصحفي، إذ لم يحصر جهده في الإنتاج المهني، بل انخرط في مبادرات هدفت إلى تعزيز التضامن، وتحسين أوضاع الصحفيين، وبناء شبكات دعم تتجاوز المصالح الضيقة.

ومن اللافت في شخصيته أن الاختلاف معه يكاد يكون مستحيلاً، لا لأنه يفرض رأيه، بل لأنه يمتلك قدرة نادرة على الإصغاء والتوازن، ما جعله شخصية قادرة على جمع الأضداد، والتأليف بين المتخاصمين والفرقاء، سواء داخل الوسط الصحفي أو خارجه. هذه السمة التوافقية أكسبته مكانة جامعة، وجعلت منه مرجعية يُلجأ إليها في أوقات التوتر والانقسام.

ويذهب بعض من عرفوه إلى أن هذه النزعة القيادية ليست طارئة، بل كأنما ورث صفات الزعامة عن أجداده، وفي مقدمتهم الأمير عنقرة، وهو ما يفسر استقرار لقب «الأمير» عليه، ليس كلقب اجتماعي فحسب، بل كدلالة على سلوك قيادي يتسم بالحكمة والهيبة والقدرة على لمّ الشمل.

وعلى صعيد العلاقات الخارجية، يؤكد دور سفير الصحافة السودانية إذ تمتد شبكة علاقاته خارج الحدود، ولا سيما مع الأوساط الصحفية والسياسية ذات الثقل النوعي في مصر، حيث أسهمت هذه العلاقات في تعزيز حضور الصحافة السودانية، وفتح قنوات تواصل وتفاهم عززت من أهميتها في شمال الوادي.

سامية علي

تميّزت دكتورة سامية علي بأنها تعمل دائمًا في صمت، صحفية تؤمن إيمانًا عميقًا بالدور الإصلاحي الأصيل للمهنة في المجتمع، فتجعل من الصحافة رسالة قبل أن تكون ممارسة يومية. هادئة الطبع، لا تفتعل المعارك، وبعيدة كل البعد عن الإثارة الصحفية العابرة التي كثيرًا ما تتصادم مع جوهر دور الصحفي في الإصلاح الاجتماعي وبناء الوعي.

سعت بجدية إلى تطوير ذاتها، فحصلت على درجة الدكتوراه في الإعلام، ما أضفى على تجربتها عمقًا علميًا واتساعًا معرفيًا، وجعلها واسعة الاطلاع، ممتدة العلاقات، دون أن تنجرف يومًا إلى معارك صحفية أو شخصية. وبسماتها الرصينة واتزانها المهني، ظلت عصيّة على الاستفزاز، متمسكة بخط مهني نظيف يحفظ للصحافة وقارها.

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٣)

وجاءت مبادرتها بإنشاء منصتها الإخبارية الخاصة «تسامح» تعبيرا عمليا عن قناعاتها، فتمضي بثبات وثقة في ترسيخ حضورها بين المنصات الواعدة، حاملة رؤية إعلامية هادئة، ومسؤولة، ومؤمنة بأن التأثير الحقيقي يبدأ من العمق لا من الضجيج.

 

عبد المطلب صديق

ظل دكتور عبد المطلب مهنيّا حتى النخاع، يتقن لغة الحياد بوصفها خُلُقًا قبل أن تكون ممارسة، حيادٌ رشيد مكّنه من تشييد جسور متينة عبر أكثر المطبات السياسية وعورة، دون أن يفقد بوصلته أو نزاهته. صحفي اقتصادي بامتياز، يقرأ الأرقام بوعي المحلل، ويصوغ الوقائع بعين المسؤول، فجمع بين الدقة والعمق، وبين الفكرة وسياقها العام.

أكاديمي راسخ، حاصل على درجة الدكتوراه في الإخراج الصحفي، استطاع بجدارة أن يردم الهوة بين التنظير الإعلامي المجرد وسوح العمل الصحفي التطبيقي، فجاء عطاؤه العلمي مشتبكًا مع الواقع، نابضًا بالحياة، ومفيدا للأجيال الجديدة من الصحفيين. مثّل وجهًا صحفيًا سودانيًا مشرفًا في الدوحة، التي هاجر إليها في أواخر تسعينات القرن الماضي، فكان نموذجا للمثقف المهني الذي يحمل وطنه في سلوكه قبل خطابه.

بعد سنوات طويلة من الكفاح المتصل في الصحافة القطرية، انتقل إلى ميدان التدريس الإعلامي بجامعة قطر، حيث واصل رسالته، هذه المرة من موقع الأستاذ، فكان محبوبا بين طلابه، قريبا من عقولهم وقلوبهم، مؤمنا بأن التعليم شراكة لا تلقين. أما على المستوى الإنساني، فكان طلب، كما اعتدنا أن نناديه تدليلا، وديع الطبع، موطأ الأكناف، بسيطا في حضوره، سهل العشرة، يجمع بين التواضع وسمو الخلق، فيكتمل به نموذج الصحفي الأكاديمي الذي يُحترم علما، ويُحب خُلُقا، ويُوثق أثره في المهنة والناس معا.

 

،،،والى موعد آخر بحول الله مع الحلقة (٤) من التلغرافات..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى