أخبار

د. ياسر محجوب الحسين : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (١٥)

متابعات_تسامح نيوز

بين نبض الشارع وعقل الاقتصاد حيث الحلقة (١٥) من سلسلة “تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية”، تستمر الأمواج في حمل لآلئ المتاعب؛ حيث لا صدفة تصنع الخبر، بل تصيغه المواجهة اليومية على أرصفة الحقيقة. في هذا العدد، نلتقي بنموذجين شكّلا وجدان الصحافة السودانية بأسلوبين مختلفين، لكنهما يلتقيان في محراب الوطن.

نُبحر مع مزدلفة دكام؛ الصحفية التي لم تكتفِ بنقل الخبر، بل عاشته في “درداقات” البؤس وأزقة التهميش، فصارت “نيلًا” لا يهدأ في تعقب الحقيقة، وصوتًا جسورًا لا ينحني في معارك الهوية والواجب الوطني.

وإلى جانبها، نكتشف عالم حاتم حسن أحمد؛ الذي طوّع الأرقام والسياسات لتصبح لغة مفهومة للناس. هو الأكاديمي الذي لم يسجنه البرج العاجي، بل نقل خبرته بين دهاليز الإدارة ومؤسسات الدولة الكبرى، ليثبت أن الإعلام حين يتكئ على المعرفة، يتحول إلى قوة تغيير وأثر باقٍ لا يمحوه الزمن.

هنا، في هذه الحلقة، تجتمع “نار” الحقيقة المشتعلة مع “نور” الإدارة الرصينة، لنقرأ حكاية جيلٍ آمن بأن الكلمة أمانة، والزمالة عهد.

 

مزدلفة دكام

في قلب الخرطوم النابض، حيث تتدفق أنهار النيل كأنها شرايين حيّة تحمل أسرار الوطن، وُلدت مزدلفة دكام، لا من رحم أمٍّ رؤوم فحسب، بل من رحم شغفٍ لا يعرف الراحة. عصامية من طراز فريد، بنت نفسها حجراً حجراً في عالم الصحافة الذي لا يرحم الضعفاء ولا يغفر للمترددين. كانت تحمل في صدرها ناراً لا تنطفئ؛ نار الحقيقة التي أحبتها حدّ الجنون، فأصبحت مهنتها ليست عملاً، بل هوية، بل دماً يجري في عروقها.

بدأت رحلتها عام 2004، وهي لا تزال طالبة في السنة الثانية بالجامعة، كنسمة صباح تتحدى عاصفة الواقع. لم تنتظر الشهادة، بل اندفعت مبكراً إلى ميدان “المتاعب”، حيث تُصقل الشخصيات على نار التجربة. تحت جناح أساتذة كبار، عثمان ميرغني وأحمد يونس، تعلمت أن الصحافة ليست كلمات تُكتب، بل حياة تُعاش. واختصر عثمان ميرغني اسمها الطويل “مزدلفة عوض الله علي دكام” إلى “مزدلفة دكام”، كمن ينحت سيفاً من صخرة ليكون أحدّ وأسرع انتشاراً، فصار الاسم علامة تسبق الخبر نفسه.

من مدرسة الشارع واستقاء المعلومة من أفواه المهمشين؛ بدأت مسيرتها في جريدة “الأزمنة”، ثم انتقلت إلى “وكالة شمس للأنباء”، أول وكالة سودانية تبث نبض الشارع عبر شبكة الإنترنت، كأنها أول من أشعل مصباحاً في غرفة معتمة. هناك تعلمت درساً لا يُنسى: أن المعلومة الحقيقية لا تأتي من مكاتب الوزراء وحدها، بل من الخفير عند الباب، ومن البواب، ومن الهامش قبل المركز. بنت جسوراً من الثقة مع الجميع، فغدت شبكة علاقاتها كأوردة دقيقة تغذي قلب الخبر.

ثم جاءت تجربة “The Juba Post” بين عامي 2006 و2007، حيث كتبت بالإنجليزية، كمن يترجم وجع وطنه إلى لغة العالم. وفي عام 2009، انضمت إلى صحيفة “التيار” عند تأسيسها، في زمن كان فيه الصحفيون نجوماً في سماء سودانية ملبدة، تزاملت مع حوازم مقدم، ورشان أوشي، وزينب محمد أحمد. وحين أُغلقت “التيار”، انتقلت إلى “الأهرام”، كطائر لا يعرف الاستقرار إلا في فضاء الحقيقة.

لكن جوهر مزدلفة الحقيقي لم يكن في المكاتب، بل في الشوارع والأزقة، وفي الأماكن التي يخشى الآخرون الاقتراب منها. اعتمدت منهج “المعايشة” الكاملة؛ وعايشت حياة صبية “الدرداقات”، تشاركهم البرد والجوع والخوف، لتكتب عنهم كأنها تكتب عن أبنائها. دخلت أزقة السوق العربي، حيث تختبئ الظلال، لتوثق ما لا يجرؤ كثيرون على قوله. وفي أحد المستشفيات، نقلت كيف يُهمَل الأطفال حتى الموت. لم تكن تفكر في الخطر، كأنها تقول: الحقيقة أغلى من الحياة، والحياة لا تُحتمل إن لم تُعش من أجلها.

لمزدلفة موقف وطني واضح من الحرب، تصر على الصدح به إيمانًا منها بأن الصحافة رسالة ومسؤولية تاريخية، وأن دورها في هذه المرحلة يتمثل في توثيق وكشف انتهاكات مليشيا الدعم السريع بحق الوطن والمواطن. كما تجدد إيمانها بأن الجيش السوداني هو الوطن، وأن الوقوف في صفه واجب وطني لا لبس فيه لحماية الدولة والحفاظ على وحدتها.

النيل الذي لا يهدأ ولا ينحني؛ هكذا ملأت مزدلفة دكام الآفاق بتقاريرها وتحقيقاتها، فصار اسمها مع كل مادة صحفية مرادفاً للسبق، وللمصداقية التي لا تُشترى، وللجودة التي تُقاس بالدمعة والعرق. شغفها الذي لا يخبو كان سر نجاحها؛ فهي لم تكتب الأخبار فقط، بل عاشتها، وتنفسـتها، وأحبتها حتى الجنون. وفي عالم يتغير فيه كل شيء، ظلت مزدلفة ثابتة كالنيل: لا تهدأ، لا تنحني، ولا تتوقف عن جريان الحقيقة في كل اتجاه.

حاتم حسن أحمد

لم يكن حاتم حسن أحمد ابن الصدفة، بل ابن التجربة والزمن الذي يُنضج الرجال على مهل. أدرك مبكرًا أن الإعلام مسؤولية قبل أن يكون مهنة، وأن الكلمة إن لم تكن واعية تحوّلت إلى عبء على صاحبها والناس.

بدأ رحلته من قاعات الدراسة، متنقلًا بين العلاقات العامة والإعلام والترجمة، حتى نال بكالوريوس من نيوكاسل، ودبلومات من جامعتي السودان والخرطوم، ثم ماجستير إدارة الأعمال، ولا يزال يواصل طريقه كباحث دكتوراه، مؤمنًا بأن المعرفة لا تعرف نهاية.

في بلاط الصحافة، جعل من الاقتصاد لغته اليومية، فكتب في «أخبار اليوم» و«الأنباء»، وتدرّج من صحفي اقتصادي إلى رئيس تحرير، ليصبح أحد الأصوات المعروفة في الصحافة الاقتصادية السودانية. ولم يقتصر حضوره على الصحافة المكتوبة، بل امتد إلى الإذاعة والتلفزيون عبر برامج اقتصادية ناقشت هموم الناس بلغة قريبة وتحليل مهني.

وإلى جانب الإعلام، خاض تجربة إدارية واسعة، شغل خلالها مواقع قيادية في مؤسسات كبرى ومشاريع قومية، وأسهم في تنظيم العمل وقيادة الفرق وتحويل الأفكار إلى أنظمة فاعلة. ومع تراكم الخبرة، عمل مستشارًا إعلاميًا وإداريًا لعدد من المشاريع الوطنية والاقتصادية، جامعًا بين منطق الإعلام وحسابات الواقع.

شارك في اتحادات وجمعيات مهنية محلية وإقليمية، وأسهم في مبادرات وطنية ومجتمعية، كما كان له حضور دولي في العمل الطوعي، إيمانًا بأن الإعلام شراكة في البناء لا مجرد منصة للرصد.

اليوم، ومن مقر إقامته في الخليج، يواصل حاتم إكمال رسالته للدكتوراه، مؤديًا دوره صحفيًا واقتصاديًا وإعلاميًا بخبرة تتجاوز ربع قرن، حاملًا قناعة راسخة:

أن الإعلام حين يلتقي بالمعرفة يصبح قوة، وحين يتكئ على التجربة يتحوّل إلى أثرٍ باقٍ

 

ونواصل بإذن الله،،،

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى