د. ياسر محجوب الحسين : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (١٦)

متابعات_تسامح نيوز
بين أمواجٍ لا تعلو صخبا ولا تكفّ عن الارتطام برفق، تمضي “تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية” في حلقتها (١٦)، حاملةً حكاياتٍ لم تصنعها الصدفة، بل صاغتها التجربة وامتحنتها الأرصفة. هنا، حيث تُوزن الكلمة بقدر ما تحتمل من صدق، لا بما تثيره من ضجيج، نقترب من اسمين محفورين في الذاكرة الصحفية السودانية: ربيع عبد العاطي وسارة شرف الدين.
ليس الاقتراب هنا من باب الشهادة التي لم تعد مجروحة، ولا من موضع المرافعة أو الخصومة؛ فالمسافة التي تفصل الكاتب عن النص لم تعد تُقاس بحسابات أو غيرها، بل بما رسخ من زمالةٍ سامية، نقية، تشبه الوقوف المتأمّل على الشاطئ.
ربيع عبد العاطي
ما إن يُستدعى اسم الدكتور ربيع عبد العاطي عبيد، حتى تنهض معه هيبة الكلمة، ويطلّ الصوت الجهوري كعلامة فارقة، ويُستحضر الاعتداد بالرأي لا تعاليا، بل ثمرة يقين ومعرفة. وفي ميدان الارتجال الخطابي البليغ شديد الانضباط، كالسيف المصقول يخفي خلف لمعانه تمرينا مهارة فارس ذكي.
ظل حضورُه على شاشات الفضائيات العربية والدولية ـ بالعربية والإنجليزية ـ حضورا منتظما لا عابرا، إذ لم يكن ضيفَ مُناسبة، بل صاحب رأي يُستدعى حين تشتد الأسئلة وتتعقد المشاهد. كاتبٌ صحفي جهير، وقياديٌّ إعلامي، وأكاديميٌّ محنك، أمسك بناصية اللغة الإنجليزية كما يُمسك لاعب السيرك الماهر بالحبل المشدود فوق الفراغ، متوازنا بين الدقّة والدهشة، لا يخطئ السقوط ولا يفقد الإبهار؛ يكتب بها كتابة رصينة، ويجهر عبرها برأيه قولا فصيحا مقنعا، لا يهادن الفكرة حتى تستقيم، ولا يساوم المعنى حتى يكتمل.
في قاعات الجامعات السودانية وقف أستاذا، وفي مؤسسات الإعلام تسنّم مواقع القيادة؛ مديرًا لأكاديمية علوم الاتصال والتدريب، ثم مديرا لوكالة الأنباء السودانية، ورئيسا لمجلس إدارة صحيفة الصحافة. ومن خلال عموده الشهير «نار ونور» ظل صوته عاليا، مشتبكًا مع الواقع، صريحًا حدّ الإحراج أحيانا. قد تختلف معه، بل قد تعارضه بشدة، لكنك لا تملك إلا أن تحترمه؛ لأن منطقه مشغول بالفكرة لا بالشخص، وبالهمّ العام لا بالمكاسب الضيقة.
وليس استيعابه لمخالفيه واستدامة ودهم نابعا من تخصصه الأكاديمي الدقيق في (فضّ النزاعات)، بل لأنه مجبول على قبول الآخر، مؤمن بأن الاختلاف شرط للحياة، لا نقيض لها. سريع البديهة، واسع الاطلاع، ملمّ بتفاصيل السياسة ودهاليزها المعتمة، يشرح المشهد، يحلّل مساراته، ويستخلص العِبر دون ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.
وخلف صرامة آرائه، وسخونة طرحه، تختبئ مساحات رحبة من خفة الظل، وقدرة لافتة على استدعاء الطرفة في أكثر اللحظات توترا، كأنه يذكّر بأن الفكر الجاد لا ينفصل عن إنسانية دافئة، وأن الكلمة حين تكون صادقة، تستطيع أن تكون حادة ومضيئة في آنٍ معا.
سارة شرف الدين
لم تكن سارة شرف الدين ابنة طريقٍ واحد، بل ابنة المفارق كلّها. جمعت في روحها المتصالحة بين الفن ونقيضه، وسارت بخفّةٍ ووعيٍ بين مساحاتٍ تبدو متنافرة في ظاهرها، لكنها كانت تعرف سرّ الخيط الخفي الذي يربطها جميعا: الإنسان.
بدأ الصوت قبل أن يبدأ الحرف. في إذاعة ود مدني، حيث الميكروفون يشبه نافذةً مفتوحة على قلوب الناس، وقفت سارة مذيعةً غضة الإيهاب، تتعلّم الإصغاء قبل الكلام، وتدرّب صوتها على حمل المعنى لا مجرّد النطق به. في الأثير تشكّلت علاقتها الأولى بالجمهور، وتعلّمت كيف تُروى الحكاية، وكيف يُمنح الصوت دفئه الإنساني، تأسيسٌ سيلازمها لاحقًا مهما تغيّرت المنابر وتعدّدت الأدوات.
من الإذاعة إلى الصحافة المكتوبة، ومن الصوت إلى الكلمة، انتقلت سارة بسلاسة منحتها قدرة نادرة على الإمساك بالخبر كما تمسك بالقصة. لم تكتفِ بالصوت ولا بالكلمة، فاقتحمت تجربة التقديم التلفزيوني، وظهرت على شاشة تلفزيون السودان مقدّمةً برنامجها الرمضاني «ملح وملاح»؛ برنامجا خفيف الظل في شكله، عميق الروح في مضمونه، قدّمت فيه رموز سودانية بنكهة خاصة، مؤكدةً أن البساطة شكل آخر من أشكال الحكمة والجدية.
في الصحافة، غاصت في السياسة: أخبارا ساخنة، تقارير تحليلية، وحواراتٍ تشبه المبارزات الذهنية، لكنها لم تفقد أبدا حسّها الإنساني وسط ضجيج الشعارات. كانت تكتب التحليل كما لو كان اعترافا، وتقرأ المشهد السياسي بعين تعرف أن وراء كل حدث إنسانا يتألّم أو يحلم.
وفي خضم هذا الصعود المهني، باغتتها الحياة باختبارها الأقسى. رافقت والدها في رحلة العلاج من مرض السرطان خارج الحدود؛ رحلة طويلة، مُنهِكة، امتدّت بين المستشفيات وغرف الانتظار، بين الأمل والانتكاس. كانت الابنة قبل أن تكون الصحفية، والكتف قبل أن تكون القلم. اختارت الغياب عن الصحيفة لتكون حاضرةً إلى جواره، فكان الثمن فصلها من العمل بسبب الغياب، قرارا إداريا جافا في مواجهة علاقة أبوية من نوعٍ خاص، علاقة لم تُقاس يوما بعدد الساعات ولا بمواعيد الدوام.
ذلك الفقد المزدوج ـ فقد العمل، ثم فقد الأب لاحقا ـ أعاد تشكيلها من الداخل. لم يكسِرها، بل عمّقها. صار الألم مادةً للوعي، والخسارة درسا في معنى الوفاء. وحين هدأ الصخب، اختارت أن تُحوّل الحزن إلى فعلٍ مُضيء، فأنشأت جائزة أدبية تخليدا لذكرى والدها المعلم المخضرم؛ علاقة صداقةٍ ورعايةٍ وتواطؤ جميل على الحياة، محاولةً لتمديد حضوره في العالم، ولردّ الجميل لرجلٍ علّمها أن الكلمة إرث، وأن الأبوة ليست سلطة بل احتواء.
وفي الأدب، فتحت سارة نافذةً أخرى للروح؛ كتبت القصة، و«أقصوصة»، ولم تتردّد في اقتحام فضاء الرواية. أصدرت مجموعتها القصصية «صولجان من خشب» (2007)، لتكون انطلاقتها الأولى في عالم النشر، وإعلانا مبكرا عن كاتبة لا تخشى التجريب. ثم جاءت روايتها الأشهر «صمت فضائحي» (2013)، أول أعمالها الروائية، لتضع اسمها في قلب الجدل الثقافي والاجتماعي. هناك فتحت ملفاتٍ مسكوتا عنها في المجتمع السوداني، وكتبت بجرأةٍ تحفر في الصمت وتكشف ما يتوارى خلف الأقنعة. لم تكن الرواية صراخا، بل فضحا هادئا، موجعا، يشبه النظر طويلا في مرآة لا ترحم.
وحين ضاقت الأرض مرةً أخرى، وأجبرتها الظروف السياسية والاجتماعية على الهجرة، لم تنكسر. حملت حقيبة الذاكرة، وأعادت ترتيب ذاتها في واقعٍ جديد، لا بالحنين وحده بل بالمعرفة أيضا. في سياق هذا التكيّف الواعي، سعت إلى تطوير أدواتها، فحصلت على درجة الماجستير في الإنتاج الاعلامي الرقمي من احدى الجامعات البريطانية، لتعيد تعريف علاقتها بالإعلام، وتوسّع أفقها بين السرد، والتقنية، والمنصّات الجديدة. كان ذلك انتقالا من حدود الورق والبث التقليدي إلى فضاءات رقمية أكثر اتساعا، دون أن تتخلى عن جوهر الحكاية.
إلى جانب الأدب، واصلت سارة حضورها الصحفي، وكتبت عشرات المقالات، وداومت على زاوية محبوبة حملت اسم «أقصوصة»، حيث كانت تختصر العالم في مشهد اجتماعي، أو فكرة، أو ومضة إنسانية تُشبهها.
وفي أكثر مناطقها حميمية، تظهر سارة كما هي فعلا: امرأة تميل بقلبها نحو الأطفال، خصوصا ذوي الحاجات الخاصة وفاقدي السند. تزورهم في مظانّهم، لا كزائرةٍ عابرة، بل كأمٍّ إضافية. تضمّهم بقوة، كأنها تحاول أن تُدخلهم بين ضلوعها، ليشعروا بحرارة الأمان، وكأن قلبها اتسع ليكون مأوى مؤقتا لمن أنهكهم الظلم الاجتماعي.
ونواصل بإذن الله،،،





