
متابعات | تسامح نيوز
في أمواج ناعمة لا تأتي الأسماء فرادى، بل تتجاور كما تتجاور الأمواج؛ لكل موجته، ولكل أثره، لكن البحر واحد. هنا لا نكتب عن السيرة بوصفها خطاً مستقيماً، بل عن التجربة حين تُرى من أكثر من زاوية: جيلٌ يخطو بثبات وسط العاصفة، وجيلٌ شقّ الطريق أولا وتحمّل كلفة العبور، فصار العبور ممكنا لمن بعده.
في هذه الحلقة (21) من سلسلة «تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية»، نلتقط موجتين مختلفتي الإيقاع، متشابهتين في الجوهر:
أحمد يوسف التاي، الذي اختار للصحافة حدّها الأعلى، فمشى معها بصلابة الصامتين، وكتبها كما تُكتب المواقف الفاصلة.
وداليا الياس، الصحفية والشاعرة التي جعلت من الكلمة وطناً، ومن الإعلام جسراً بين الإنسان ووجعه، وكتبت الحياة كما تُحسّ لا كما تُزيَّن.
هنا، يلتقي القلم الذي لا يهادن، مع القلب الذي لا يتخلّى. وتلتقي التجربة الصلبة التي راكمتها غرف الأخبار، مع الحسّ الإنساني الذي يرى في الصحافة فعلا أخلاقيا قبل أن يكون مهنة.
ليس هذا احتفاءً بالأسماء، بقدر ما هو إنصاتٌ لما تركته في المهنة من أثر، وما تركته المهنة فيهم من ندوبٍ جميلة.
هذه ليست سيرة رجل وسيرة امرأة،
بل حكاية زمالة غير معلنة، جمعتها المهنة، وفرّقتها المسارات، ووحّدها الإيمان العميق بأن الكلمة – حين تُكتب بصدق – قادرة على أن تكون شاهدةً، ومقاومة، ونافذة أمل.
أحمد يوسف التاي
أحمد يوسف التاي اسمٌ حين يُذكر في فضاء الصحافة، تُستحضر معه الصلابة التي لا تُرى، والهدوء الذي يُخفي عاصفةً من المواقف. صحفي قوي الشكيمة، هادئ الفورة، لا يرفع صوته إلا حين تتطلب الحقيقة ذلك، لكن قلمه – حين يمسك به – ينفعل حتى آخر السطر، ويكتب كما لو أن كل مقال هو معركة أخيرة لا تقبل أنصاف الحلول.
لا يعرف المجاملة طريقا إلى حرفه، ولا يساوم على قناعاته، منحازٌ بوضوح لقضايا الناس والحريات العامة، يرى الصحافة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة، ورسالة يومية لا تُؤجَّل ولا تُخفَّف حدتها لإرضاء أحد. لذلك جاءت كتاباته حادة، مباشرة، لا تلتف حول الفكرة، بل تدخلها من بابها الأمامي.
أحب مهنته على نحو عملي لا شعاري؛ أحبها في تفاصيلها المتعبة، في الحضور المبكر لمقر الصحيفة، والمغادرة بعد منتصف الليل، حتى في الفترات التي كان فيها بُعد مكان سكنه عذراً كافياً للتأخير وربما الغياب أحيانا. لكنه لم يجعل من الأعذار الموضوعية حائطاً للراحة، بل جسراً للالتزام، فكان حاضراً حيث يجب أن يكون الصحفي الحقيقي: في قلب الحدث، لا على هامشه.
برع في التحقيقات الصحفية، يجيد نبش التفاصيل، وطرح الأسئلة التي يتجنبها الآخرون، بجرأة محسوبة لا تنزلق إلى التهوّر. وكما أتقن فن التحقيق عصب الصحافة وركيزتها، أتقن التحليل السياسي، فقرأ المشهد بعمق، وربط الوقائع بسياقاتها، وكتب بعين ترى ما وراء الخبر، وبعقلٍ يزن الكلمة قبل إطلاقها.
تنقّل في مسيرته المهنية بين مواقع قيادية، فعمل بصحيفة الانتباهة رئيساً للقسم السياسي، ثم مديرا للتحرير، وأحد المؤسسين لصحيفة الصيحة، ويتولى لاحقاً رئاسة تحريرها. وفي كل موقع شغله، لم يكن المنصب غاية، بل أداة لتنظيم العمل، وحماية المهنة، ورفع سقف المهنية.
وعلى المستوى الإنساني، يظهر التاي بوجهٍ آخر لا يقل حضوراً عن صرامته المهنية. موطأ الأكناف، لين الجانب، شديد التواضع، قريب من مرؤوسيه، يتعامل معهم بروح الزمالة لا بفوقية الإدارة، ويؤمن أن غرفة الأخبار تُدار بالثقة قبل الأوامر، وبالاحترام قبل اللوائح.
وحين ضربت الحرب الصحافة في مقتل، وأغلقت الأبواب في وجه الحبر والورق، لم يتراجع، ولم ينتظر عودة الظروف المثالية. أنشأ منصته الإلكترونية الخاصة، ليواصل عبرها ذات المشروع الصحفي: حيوية في الطرح، عمق في المعالجة، وانحياز واضح للحقيقة. منصة حملت روحه المهنية، وقدّمت إنتاجاً صحفياً مميزاً، أكد من جديد أن الصحافة لا تموت بتوقف المطابع، بل تبقى ما دام هناك من يؤمن بها ويكتب لها.
هكذا يبدو التاي:
صحفيٌ لا يهادن،
وقلمٌ لا يشيخ،
وإنسانٌ يعرف أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج.
وكان لعموده الصحفي دائماً ختمٌ يشبه الوصية، أو صلاةً صغيرة في آخر الصفحة. تحت عنوانٍ فرعي ثابت: «نبضة أخيرة»، كان يضع جملته التي لم تكن مجرد عبارة، بل ميزاناً أخلاقياً يذكّر به نفسه قبل القارئ:
«ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.»
لم تكن تلك الكلمات ترفاً روحياً يُضاف في الهامش، بل كانت خلاصة موقف، وبوصلة كتابة، ومفتاحاً لفهم قلمه كله. بها كان يختصر فلسفته في الصحافة والحياة معاً: أن تكون الكلمة مراقَبة بالضمير، قبل أن تُراقَب بالسلطة، وأن يكون الحضور المهني امتداداً للحضور الإنساني.
هكذا، لم يكن عموده ينتهي عند آخر سطر، بل يبدأ في وجدان القارئ من تلك النبضة الأخيرة، التي تترك أثراً أعمق من أي عنوان صاخب، وتؤكد أن أحمد يوسف التاي لم يكن يكتب ليُقنع فقط، بل ليُذكّر، وليضع المعنى في موضعه الصحيح.
داليا الياس
وُلدت داليا الياس الحسن محمد ذات صباحٍ خرطوميٍّ في خواتيم سبعينيات القرن الماضي، حين كانت المدينة تفتح عينيها على النيل وتخبئ في ضفافه حكاياتٍ لا تنتهي. كبرت وهي تُصغي لنبض المكان، وتجمع الكلمات كما يجمع الأطفال الأصداف، حتى أدركت مبكراً أن الحروف قدرٌ لا مفرّ منه، وأن الصوت إن لم يُكتب يضيع.
درست الإعلام والعلاقات العامة بجامعة السودان، لا لتتعلم كيف تقول الخبر فقط، بل كيف تمنحه روحاً، وكيف تجعل من الجملة نافذة، ومن السؤال مرآة. ومنذ خطواتها الأولى، كانت تمشي بثقة من يعرف أن الطريق وإن طال، فإنه يشبهه.
بين عامي 2000 و2006، التحقت بمؤسسة الشرطة السودانية، وهناك تعلمت معنى الانضباط، وقيمة الكلمة حين تُكتب تحت سقف المسؤولية. ثم خرجت إلى فضاء الصحافة الأوسع، حاصلة على شهادة مزاولة العمل الصحفي عام 2009، لتبدأ رحلة الترحال بين الصحف كما يترحل الشعراء بين المدن.
تنقلت بين صحف “آخر لحظة”، و“الأهرام اليوم”، و“حكايات”، و“اليوم التالي”، و“الصيحة”، و“الانتباهة”، تاركة في كل صحيفة بصمتها، وفي كل مكتب صدى صوتها. لم تكن كاتبة عابرة، بل كانت عموداً يُنتظر، ورأياً يُختلف معه أو يُتفق، لكنه لا يُهمل.
كتبت أعمدتها كما تُكتب الرسائل السرية:
«إندياح»،
«حباً لك»،
«سوانح للجوانح»،
«لدواعٍ نسائية»،
«بالحبر الميري»،
و«نشنكة»
عناوين تشبهها، حادة حيناً، وحنونة حيناً، لكنها دائماً صادقة.
وفي الشعر، تركت قلبها مكشوفاً. أصدرت ديوانيها «متأسفة» و«ممكن جداً»، وكأنها تعتذر للحياة مرة، وتفاوضها مرة أخرى. ثم جاءت الخواطر «عند منتصف الحنين»، حيث تقف المشاعر في منتصف الطريق بين الذاكرة والرجاء، وأعقبتها مجموعة المقالات «إندياح»، شهادة مكتوبة على زمنٍ مضطرب. ولا تزال روايتها “للاستعمال الخارجي فقط” تنتظر لحظة الخروج، كما تنتظر الأسرار قارئها المناسب.
لم تحبس صوتها في الورق، بل خرجت به إلى الشاشة والميكروفون. أعدّت وقدّمت برامج تلفزيونية مثل: “تباريح”، “ناس البيت”، “تحت الرماد”، “ألوان الحياة” و”نشنكة”، وأخرى إذاعية مثل: “حريم في السليم”، “نقطة”.سطر قديم”، و”منطقة رمادية”، حيث الأسئلة أكثر من الإجابات، والصدق أهم من الزخرفة.
أسست شركتها الإعلامية “دالياس”، وتولت رئاسة مجلس إدارتها، ثم أنشأت ملتقى إندياح للتوعية والإيجابية، الذي لم يكن مجرد كيان، بل فكرة تمشي على قدمين، نفذت دورات وورشاً ومبادرات خيرية داخل السودان، ثم حملت رسالتها إلى مصر بعد اندلاع معركة الكرامة، لأن الوعي لا يعترف بالحدود.
كانت حاضرة في اللجان والاتحادات:
عضو لجنة النصوص بالمصنفات الأدبية والفنية، عضو اتحاد شعراء الأغنية السودانية، عضو اتحاد الكتاب والأدباء السودانيين، ونائب الأمين العام لمجموعة “نحن معاكم” الإنسانية الفنية الثقافية.
كما عملت مستشارة إعلامية لعدد من المؤسسات الحكومية والخاصة، من بينها مجموعة SRM الهندية، ومجموعة شركات بازان، والهيئة الشعبية لنصرة القوات المسلحة.
وعلى الضفة الأخرى من الإنجاز، تقف داليا كما هي في الحياة: روحٌ مرِحة، تسبق ابتسامتها كلماتها، وتكسر الحواجز في الدقائق الأولى من اللقاء. تألفها القلوب سريعاً، لا لأنها تسعى إلى ذلك، بل لأنها تأتي بلا أقنعة، وتمنح من أمامها شعوراً نادراً بالأمان والقبول.
تحب الناس كما هم، وتؤمن أن العلاقات الإنسانية لا تُبنى على المصالح بل على الصدق، لذلك بقيت إيجابيتها علامة فارقة في تعاملها مع الآخرين، حتى في أكثر اللحظات قسوة. لا تتقن القطيعة، لكنها تعرف كيف تحفظ المسافة حين يلزم، دون أن تفقد احترامها أو دفئها.
وفي شعرها، ينكشف هذا الجانب الإنساني بوضوح. إحساسٌ مرهف يلتقط وجع الشارع، وأنين النساء، وتفاصيل الإنسان البسيط الذي لا يجد من يصغي إليه. لا تكتب لتجميل الواقع، بل لتسميته باسمه، ولتضع الإصبع على الجرح دون ادعاء بطولة.
تتعامل مع الكلمة كفعلٍ اجتماعي، لا كترفٍ ثقافي. تراها مصنعاً للأفكار، وأداةً لاجتراح الحلول، وجسراً بين الألم والأمل. لذلك جاء شعرها مشتبكاً مع قضايا المجتمع، منتمياً لهمومه، منحازاً للعدل، ومؤمناً بأن اللغة حين تُكتب بصدق يمكن أن تكون بداية التغيير.
هكذا تبدو داليا:
إنسانة قبل أن تكون إعلامية،
وقلبا مفتوحا قبل أن تكون قلماً،
وصوتاً يسعى لأن يجعل من الكلمة حياةً أرحب للآخرين.
شاركت في مهرجانات شعرية بدول الخليج، وتغنّى بكلماتها مطربون ومطربات، فخرج شعرها من الورق إلى الصوت، ومن الصمت إلى الجمهور. وداخل العمل الاجتماعي، كانت حاضرة حيثما وُجد الاحتياج، بلا ضجيج، وبكثير من الإيمان بالفعل.
كُرّمت داخل السودان وخارجه، من سفارات ومؤسسات وروابط، وكتبت مقالات راتبة لموقع الجزيرة مباشر، ثم صارت وجهاً مألوفاً في الفضاء الإسفيري، حاصلة على العلامة الزرقاء، يتابعها الآلاف، وتنتشر أعمالها على يوتيوب وفيسبوك.
داليا.. ليست مجرد سيرة مهنية، بل حكاية امرأة اختارت أن تجعل من الكلمة وطناً، ومن الإعلام رسالة، ومن الشعر نجاةً شخصية وعامة في آنٍ واحد.
نواصل بإذن الله وبحوله وقوته،،،،





