المقالات

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢٣)

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

في الحلقة (٢٣) من «تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية»، تميل أمواج ناعمة قليلاً نحو الضفة التي لا يعلو فيها الصوت، ولا تُقاس التجربة بعدد العناوين، بل بعمق الأثر. هنا لا نلاحق الخبر وهو يركض، بل نعود إلى من مشوا مع الكلمة على مهل، وتركوا خلفهم علامات لا تمحوها سرعة الزمن.

وفي هذه المحطة، تتقاطع سيرة جيلين على رمل الشاطئ ذاته:

من سبعينيات الخرطوم، حيث تشكّل الوعي في حضرة السياسة والاقتصاد، يطلّ *حسن أبو عرفات*، الذي حمل اسماً أهداه له الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في لحظةٍ خاطفة، لكنها مشبعة بالمعنى، صارت قدراً مهنياً.

ومن عتمة الحرب السودانية الراهنة، ينهض *أسامة عبد الماجد*، شابّاً يكتب كأن الكلمة خندقٌ أخير في وجه الفوضى.

بينهما مسافة زمن، لكنهما يشتركان في إيمانٍ واحد: أن الصحافة، مهما تبدّلت وسائطها، تظلّ وعداً بالحقيقة… وأن الموج، وإن بدا ناعماً، يخفي في عمقه صلابة الصخر.

حسن أبو عرفات

لكن الحكاية لا تبدأ هنا. تعود إلى سبعينيات الخرطوم، حين كان شابًا يدرس الجغرافيا الاقتصادية بجامعة القاهرة – فرع السودان، ويرى في الاقتصاد تضاريسَ حياةٍ كاملة. عمل مراسلًا في جنوب السودان، ثم خطّ اسمه في قسم الأخبار بجريدة “الصحافة”، حتى تولّى إدارة قسمها الاقتصادي. هناك تعلّم أن الأرقام ليست باردة كما نظن، بل تنبض بمصائر الناس.

في عهد الرئيس الراحل جعفر نميري، كان مندوبًا لرئاسة الجمهورية، يرافق الرئيس في جولاته الداخلية والخارجية ممثلًا لجريدة “الصحافة”، في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُحسب بميزان الذهب، وكان الصحفي شاهدًا على مسرح السياسة من الصفوف الأمامية.

قليلون فقط يعرفون أن «حسن أبو عرفات» لم يكن اسمه الذي وُلد به، وأن اسمه الحقيقي هو حسن عبد الحميد سماوي. لكن واقعةً طريفة، في لحظة سياسية مشحونة، كانت كفيلة بأن تغيّر اسمه إلى الأبد.

ففي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وحين زار الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الخرطوم بدعوة من الرئيس الأسبق جعفر نميري، في سياقٍ متصل بتداعيات الحرب الأهلية اللبنانية، كان حسن مكلّفًا بتغطية نشاط رئاسة الجمهورية. توجه إلى مطار الخرطوم لمتابعة وصول عرفات قادمًا من بيروت، حيث كان في استقباله النائب الأول لنميري.وفي صالة الاستقبال أُلقيت كلمة ترحيب باسم الصحفيين السودانيين، ألقاها حسن. بدا التأثر واضحا على ملامح الزعيم أبو عرفات بعد الكلمة، فاقترب منه وسأله بصوته المعروف:

– اسمك مين؟

– حسن عبد الحميد سماوي.ابتسم الزعيم أبو عرفات وقال بنبرته الجهورية:

– من اليوم أنا حأسميك حسن أبو عرفات.

ومنذ تلك اللحظة، خرج حسن من المطار باسمٍ جديد، وظلّ اللقب يلازمه في الوسط الصحفي حتى غلب اسمه الأصلي.

ومع انتقاله إلى الدوحة، اتسعت الدائرة، فشارك في تأسيس “الخليج اليوم” ثم “الشرق” قبل أن يتولى مناصب نائب مدير التحرير ورئاسة التحرير في فترات مختلفة، ويؤسس ملاحق اقتصادية دعمت موارد الصحف بروح ابتكارية تجمع بين التحرير والتسويق.

عام 2016، توّج مسيرته بالمشاركة الفعالة في تأسيس صحيفة “لوسيل” الاقتصادية في قطر، أول صحيفة اقتصادية متخصصة في البلاد، وثاني صحيفة من نوعها على مستوى الخليج بعد “الاقتصادية” السعودية. هناك، لم يكن مدير تحرير فحسب، بل مهندس رؤية، يبني منصة ترى الاقتصاد بوصفه قصة وطن، لا مجرد سوق.

قام حسن لسنوات عديدة بتغطية الطاقة في قطر لسنوات، رئاسة فريق تغطية مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP18)، المشاركة في مؤتمرات دولية من نيروبي إلى فلوريدا، وزيارات مهنية لكوريا الجنوبية وشركة بوينج، كلها محطات في سيرة صحفي جعل من العالم مكتبه المفتوح. عمل مستشارًا إعلاميًا لمؤسسة العطية الدولية للطاقة والتنمية المستدامة، ووضع خططًا إعلامية لمؤسسات مالية واستثمارية، وشارك في إعداد برامج اقتصادية وسياسية عبر إذاعة قطر، والجزيرة، وBBC، ومونت كارلو، والتلفزيون العربي.

في سيرة حسن أبو عرفات، تمشي الصحافة على قدمين من حبرٍ وحنين.

رجلٌ بدأ رحلته مع الورق حين كان صوته يُسمع في خشخشة الصفحات، ورائحة المطبعة عند الفجر. كان يؤمن أن الجريدة ليست مجرد خبر، بل كائن حيّ يتنفس بالحبر ويستيقظ مع الباعة على الأرصفة. غير أن الزمن، كما يفعل دائمًا، بدّل أثوابه؛ فصار الورق مكلفًا، والأحبار أثقل من أن تُحمل، والتوزيع معركةً يومية ضد الأرقام. يقولها بحسرة العاشق لا بنعي المفجوع: الصحافة الورقية تتراجع، لكنها لا تموت. تتحول، تتخفف من جسدها لتسكن الشاشة، وتستبدل ضجيج المطبعة بصمت الضوء الأزرق. في قطر، كما يروي، صارت صحف كثيرة تُبقي نسختها الورقية رهينة الإعلان، وتُحلّق بقية الأسبوع في فضاء “الديجيتال”.

ورغم كل ذلك، يبقى في صورته ما هو أبعد من المناصب.

يُقال إن أبا عرفات لا يدخل مكانًا إلا وترك فيه ابتسامة. لا يعرف الأعداء، لأن قلبه أوسع من الخصومة. علاقاته متجذرة، خاصة في الوسط الاقتصادي، لكنه يحملها بخفة العارف لا بثقل المتباهي. كرّمته الجالية السودانية في الدوحة ضمن احتفالات الذكرى السبعين للاستقلال، فكان التكريم اعترافًا بمسيرة لا تزال تمضي.

هكذا يبدو حسن أبو عرفات:

صحفيٌّ حمل الورق في شبابه، وحمل الشاشة في كهولته، وبقي وفيًّا لجوهر المهنة. يؤمن أن الصحافة، مهما تبدلت وسائطها، تظل وعدًا بالحقيقة… وأن الحبر، حتى حين يتحول ضوءًا، لا يفقد قدرته على الإضاءة.

أسامة عبد الماجد

أسامة قلمٌ لا يكسره الحصار

في أرضٍ تتشابك فيها خيوط القدر كنسيجٍ من حريرٍ داكنٍ لطخته جرائم مليشيا الدعم السريع، يبرز اسم أسامة عبد الماجد كوميض خاطف في سماء صحافة أثقلتها الظلال. شابٌ يتقد في قلبه حماس البدايات، وتتوقد في عقله أدوات الحكمة؛ يقود قافلة الكلمة نحو أفق الحقيقة، ويجعل من الصحافة فعلاً مضاداً للعتمة، لا مجرد توصيف لها.

كصقرٍ يحلّق فوق تضاريس وعرة، يتولى اليوم رئاسة تحرير صحيفة «الشعب» الإلكترونية؛ تلك المنارة الرقمية التي تضيء مسارات الحدث السوداني، وتمتد بخيوط المتابعة نحو الخارج، رصدا لنبض السياسة الإقليمية والدولية بدقة الخبير الذي يتتبع الأثر في الفيافي المفتوحة.

منذ خطواته الأولى، بدا أسامة كالريح الجريئة التي تهبّ فجأة حاملةً عواصف الآراء السياسية الصريحة. فكتاباته ليست مجرد حبرٍ يُسطر، بل هي تياراتٌ كاشفة تُعرّي تعقيدات النزاع، وتفكك تقاطعات الداخل كمن يحلّ لغزا عصيا، وتستشرف أثر الخارج بحدسٍ نافذ. قدرته التحليلية أشبه بريشة رسّام بارع، يخطّ لوحة السياسة بألوان الواقع، ملامساً أدق التفاصيل؛ من الصراعات المحلية إلى التحالفات الدولية المتقلبة كالسفن في بحرٍ لجيّ.

وقبل ذلك، تولّى رئاسة تحرير صحيفة «آخر لحظة»، قائداً شاباً سبق جيله بخطوات، متجاوزاً قيود السنين بطموحٍ يشبه طاقةً كامنة تحت السطح تنتظر لحظة الانفجار. كانت جرأته كسيفٍ صقيل لا يهاب الظلام، بل يشقّ فيه دربه.

وعقب النكبة التي ألمّت بالصحافة السودانية، حين خفتت أنفاس الصحف وغاصت في وحل الحرب، لم يقف أسامة متفرجاً. بل نهض كطائر الفينيق من رماد الخراب، ليؤسس منصته الإلكترونية «الشعب»؛ تلك القلعة الرقمية التي سرعان ما استقطبت القرّاء بتميز تقاريرها وسبق أخبارها. فكانت كصواعق تشقّ الدجى، تحتفي بالشأن السوداني بعاطفة الابن وصرامة المحرر، وتمتد إلى الشؤون الخارجية بروح المسافر الباحث عن الحكاية والمعنى.

يمتاز أسامة بقدرة على بناء المصادر وكسب الثقة، كمن يشيد جسوراً متينة فوق أنهار الشك. وفي غابة الصحافة المحفوفة بالمخاطر، يظلّ ذلك الشاب الحيوي والطموح الجريء يشقّ طريقه بثبات نحو المستقبل، محوّلاً الكلمات إلى أدوات تأثير، ومذكّراً بأن الصحافة ليست مهنةً عابرة، بل رسالة تتقد كشعلة لا تنطفئ.

نواصل بإذن الله وبحوله،،،،

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى