المقالات

د. ياسر محجوب الحسين : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢٥)

د. ياسر محجوب الحسين : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢٥)

في «أمواج ناعمة»، لا نرفع الصوت لنُسمِع، بل نُخفضه لنُصغي. فهنا، على شاطئ «تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية»، لا تُقاس القامات بطول الظل، بل بعمق الخطى على الرمل؛ ولا يُحتفى بمن ملأوا الضجيج، بل بمن تركوا أثرا يشبه الندى: خفيفا في حضوره، عميقا في أثره.

نحن لا نكتب سيرا تُعلّق على الجدران، بل نفتح نوافذ على لحظات كانت فيها الكلمة امتحانا، والموقف اختيارا، والمهنة قدرا لا وظيفة. هنا، لا نلاحق الخبر وهو يركض لاهثا بين الشاشات، بل نعود إلى الذين مشوا مع الكلمة على مهل، وحملوها كما يُحمل الضوء في ليل طويل؛ يعرفون أن الطريق شاق، لكنهم يمضون لأن الرجوع خيانة لفكرة آمنوا بها.

في هذه الحلقة (٢٥)، تميل «أمواج ناعمة» قليلا نحو ضفتين متقابلتين، يجمعهما خيط واحد: الإيمان بأن الصحافة ليست حبرا على ورق، بل روحا تمشي بين الناس. ضفة كان فيها الحبر موقفا لا يُساوِم، وضفة صارت فيها الأخبار تمشي على قدمين، تعرف دروبها كما يعرف البحر أسراره.

بين إدريس الدومة، حين يصبح الحبر موقفا، وسناء عباس ساتي، حين تمشي الأخبار على قدمين، تتقاطع سيرة جيل لم يتعامل مع الصحافة كمهنة للنجاة، بل كمسؤولية لا تُؤجَّل. جيل عرف أن العناوين قد تُصادر، لكن المعنى أبقى؛ وأن الطريق قد يضيق، لكن الفكرة أوسع من كل المنافي.

هنا، على هذا الشاطئ، نكتب لا لنُحصي المناصب، بل لنستعيد المعنى. فاقتربوا… فالموج هذه المرة لا يعلو، لكنه يقول الكثير.

إدريس الدومة

الدومة حين يصبح الحبر موقفا.. لم يكن إدريس الدومة صحفيا بالصدفة، ولا عابرا في ممرات المهنة. كان كمن دخل الصحافة وفي قلبه بوصلة لا تشير إلا إلى جهة واحدة: الحرية. ومنذ خطواته الأولى، تدرّج في معظم المواقع المهنية؛ من محرر يطارد التفاصيل الصغيرة، إلى موقع أوسع يرى فيه المشهد من شرفته العليا. هذا التدرّج لم يكن مجرد صعود في السلم الوظيفي، بل كان معراجا صقل موهبته وعضّد خبرته، حتى صار يعرف أين يضع الفاصلة، ومتى يشهر العنوان، وكيف يُمسك بالخيط الرفيع بين الجرأة والحكمة.

عندما تولّى رئاسة تحرير صحيفة صحيفة الجريدة السودانية المستقلة، لم يكن يجلس على كرسي مريح، بل على مقعد تتناوبه الرياح. قاد الصحيفة في فترات حرجة، كانت البلاد فيها تمشي على حافة السؤال الكبير. لم تكن «الجريدة» صحيفة خبر عابر، بل نافذة مفتوحة على قضايا الفساد، وأزمات المعيشة، ونقص الوقود والخبز؛ كانت تكتب ما يهمس به الشارع، وتضعه في صدر الصفحة الأولى.

لم يرق ذلك لسلطة كانت تضيق بالكلمات كما يضيق الجرح بالملح. فتعرضت الصحيفة لعمليات مصادرة متكررة لنسخها المطبوعة، وتعليق صدورها بقرارات من جهاز الأمن والمخابرات في عهد النظام السابق. كان المشهد يتكرر: مطبعة تستيقظ باكرا، وصحف تُطبع بحرارة الليل، ثم تُسحب قبل أن تلامس أكشاك البيع. ومع كل مصادرة، كان إدريس يعيد ترتيب العناوين في داخله، كمن يقول: «لن تُصادروا المعنى».

واجه الرجل بلاغات قضائية متكررة أمام محاكم الصحافة والمطبوعات والملكية الفكرية. وفي عام 2013، أصدرت المحكمة الدستورية حكما بالسجن والغرامة ضده وضد الصحفية سعاد الخضر، على خلفية محتوى صحفي اعتبرته المحكمة مسيئا، قبل أن تُعلّق العقوبة لاحقا. كانت تلك المحطات أشبه باختبارات قاسية لصلابة المعدن؛ وكلما اشتد الضغط، ازداد الحبر كثافة.

لم يكن دفاعه عن حرية الصحافة شعارا يُرفع في الندوات، بل ممارسة يومية تُكلّفه وقتا وطمأنينة. كان يؤمن أن الكلمة التي لا تُغضب أحدا، لا تُغيّر شيئا. وأن الصحافة إن لم تكن عينا على السلطة، تحولت إلى مرآة تُجمّلها.

وحين تكاثرت الضغوط، وضاق الأفق بما رحب، اختار إدريس أن يبتعد جسدا ليبقى فكرة. اختار العيش في المملكة المتحدة، حيث واصل دراسته العليا، وكأنما أراد أن يردّ على العواصف بورقة أكاديمية. حصل على درجة الماجستير من إحدى الجامعات البريطانية، ويُعدّ العدّة اليوم لنيل الدكتوراه، في مسار يؤكد أن معركته مع الكلمة لم تكن سياسية فحسب، بل معرفية أيضا؛ فالعلم عنده امتداد للموقف، والبحث العلمي شكل آخر من أشكال المقاومة الهادئة.

هكذا تبدو سيرة إدريس الدومة: صحفي تدرّج في المهنة حتى عرف تضاريسها الوعرة، ودفع ثمن مواقفه غير مرة، ثم حمل حقيبته ومضى ليصوغ تجربته في فضاء أرحب. لم يترك الصحافة، بل أخذها معه؛ من غرفة تحرير تُصادر أوراقها، إلى قاعة درس تُناقش فيها الأفكار بحرية. وبين المشهدين، ظل الخيط واحدا: إيمان عميق بأن الكلمة الحرة، وإن حوصرت اليوم، ستجد غدا نافذتها إلى الضوء.

سناء عباس ساتي

سناء حين تمشي الأخبار على قدمين.. في البيت الأول، حيث كانت الجدران تتنفس حبرا، وتفوح من الرفوف رائحة الورق المعتّق، تشكّلت البذرة. كان خالها – عليه الرحمة – مولعا بالصحف اليومية، يقلب صفحاتها كما يقلب الفلاح تربة حقله، باحثا عن معنى جديد للحياة. هناك تعرّفت سناء، وهي بعدُ غضّة الروح، على أصوات بحجم القارات: عباس محمود العقاد، ونجيب محفوظ، وطه حسين، والطيب صالح. كانت الكلمات تتسلل إلى وجدانها كما يتسلل الضوء من شقوق النافذة، فتنبت في داخلها حساسية مبكرة تجاه الفكرة، واللغة، والخبر.

لم تدخل الصحافة من بابها الخلفي، بل من شرفتها المطلة على الريح. عملت محررة في عدد من كبريات الصحف السودانية؛ في الرأي الآخر، والصحافة، والرأي العام، وأخبار اليوم. تدرّجت بخطى واثقة من محررة للشؤون الدبلوماسية والرئاسية إلى أن جلست على مقعد مدير التحرير؛ المقعد الذي لا يحتمل التردد، ولا يعترف بأنصاف الموهوبين.

لكن محطتها الفارقة جاءت مبكرا، حين أُسند إليها رئاسة قسم الأخبار في صحيفتي العاصمة والرائد. وقسم الأخبار – في الصحف السياسية والإخبارية – ليس مجرد إدارة؛ إنه القلب الذي يضخ الدم في شرايين الجريدة، والعين التي لا تنام. لا يُوكل هذا القسم إلا لمن يملكون حسا خبريا عاليا، وأنفا يشمّ رائحة الحدث قبل أن يقع، ومصادر رفيعة تفتح الأبواب الموصدة. هناك، أثبتت سناء أنها لا تلاحق الخبر فحسب، بل تستدرجه إلى مكتبها، وتجعله يجلس أمامها مطيعا.

ثم ارتقت إلى منصب مدير التحرير في الصحافة وأول النهار، حيث صارت تمسك بخيوط المشهد من علٍ، تنسّق العناوين كما يُنسّق قائد أوركسترا نغماته الأخيرة قبل رفع الستار.

لم تقف عند حدود الورق. انتقلت إلى تلفزيون السودان القومي، حيث تحوّل الحبر إلى صورة، والصوت إلى نبض مباشر. هناك وصلت إلى منصب نائب رئيس تحرير إحدى مجموعات الأخبار، وكأنها تعيد تعريف ذاتها في فضاء جديد، لا تحكمه الأعمدة بل الكاميرات، ولا تُقاس فيه الدقائق بالحبر بل بالثواني على الهواء.

وعبر الحدود، كانت مراسلة لصحيفة البيان الإماراتية، وتعاونت مع مكتب صحيفة الخليج في الخرطوم. كانت تتحرك بخفة بين العواصم والملفات، كأنها تعرف خريطة الأسرار كما يعرف البحّار دروب الموج.

في عام 2005، كانت في نيفاشا الكينية، تتابع مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان؛ لحظة كان الوطن فيها معلقا بين بندقية وورقة اتفاق. وفي نوفمبر 2007، كانت في سرت الليبية، تغطي مفاوضات السلام بين الحكومة وحركات دارفور المسلحة؛ تكتب تحت سقف ثقيل من الترقب، بينما تتقاطع في القاعات همسات السياسة وصمت البنادق.

أجرت حوارات عديدة مع قادة حركات دارفور والحركة الشعبية، ومع مسؤولين قطريين حين كانت الدوحة تمسك بملف سلام دارفور، إلى جانب الوزراء والمسؤولين في حكومة الرئيس عمر البشير. كانت تدخل إلى المقابلة كما يدخل المحقق إلى غرفة الأسئلة: بعينين مفتوحتين، وأذن تلتقط ما بين السطور، وقلم لا يهادن.

اشتهرت بالسبق الصحفي في تغطية الأخبار اليومية، حتى إن الأستاذ حسين خوجلي وصفها في حوار بصحيفته الاجتماعية الحياة والناس بـ«ملكة الأخبار». ولم يكن اللقب مجاملة عابرة؛ بل اعترافا بقدرتها على أن تكون أول من يطرق باب الحدث، وآخر من يغادره.

رافقت ضمن وفود رسمية زيارات إلى ولايات دارفور في بدايات التوترات، حين كانت الأرض هناك تمشي على جمر. وكانت ضمن أول وفد إعلامي من الشمال يصل إلى مدينة رومبيك بجنوب السودان مع جون قرنق بعد توقيع اتفاقية السلام. يومها، قارنَت بين أرض الجنوب والولاية الشمالية التي تنحدر منها، في لحظة إنسانية صادقة، فوعدها قرنق – صادقا – بقطعة أرض هناك، لكن الموت كان أسرع من الوعد.

نالت ثقة المسؤولين في دوائر ووزارات عدة، خاصة وزارة الخارجية والقصر الجمهوري، حتى بلغ الأمر أن يبادر المسؤول بالاتصال بها لتمليكها المعلومة. لم تكن تبحث عن الثقة؛ كانت تبنيها، لبنة فوق لبنة، من المهنية الصارمة والصدق الصريح.

أما في جانبها الإنساني، فكانت سناء تمشي بين زملائها ومرؤوسيها ورؤسائها بخُلق رفيع، تجمع ولا تفرّق، تنصت قبل أن تتكلم، وتمنح قبل أن تطلب. كانت تدرك أن الصحافة، مهما اشتدت قسوتها، تظل عملا بشريا في جوهره، وأن الكلمة التي تُكتب ببرود قد تُدفئها علاقة طيبة في غرفة الأخبار.

هكذا سارت سناء عباس ساتي في دروب المهنة: لا تكتفي بأن تكون شاهدة على الحدث، بل جزءا من حكايته؛ تمشي والأخبار تمشي معها، كأن بينهما عهدا قديما لا يُنقض.

نواصل بإذن الله وبحوله،

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى