
متابعات | تسامح نيوز
ليست (أمواج ناعمة) مجرد عنوانٍ لزاوية، بل هي مزاجُ كتابةٍ يتسلل كالماء إلى شقوق الذاكرة، ويترك على شاطئها ما يشبه الهمس… أو ما يشبه الحقيقة حين تختار أن تصل بلا ضجيج.
وفي هذه السلسلة “تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية” الحلقة (29)؛ لا تأتي الحكايات دفعةً واحدة، بل كرسائل قصيرة وكثيفة، تضرب الرمل ثم تنسحب، تاركةً أثرها لمن يُجيد قراءة ما لا يُقال. هنا، لا نكتب عن الصحفيين بقدر ما نصغي إلى صدى خطواتهم.. وهم يعبرون الفجوة الضيقة بين الكلمة والخطر.
في هذه الحلقة: موجان مختلفان في الملمس، متشابهان في المصير
يلتقي في هذا الجزء قلمان، لكل منهما بصمته الخاصة: إنصاف عبد الله سليمان: التي اختارت أن تكون في قلب العاصفة، لا على هامشها. وناصف صلاح الدين: الذي آثر أن يمشي داخل الظل، ليُخرج منه ما يُخيف الضوء. هي تكتب بخطى تمشي بجرأة نحو الميدان، وهو يكتب بحدسٍ يتسلل بذكاء إلى ما وراء الكواليس.
الانتماء لذات الشاطئ
لكن كليهما مع اختلاف الطريق ينتميان إلى ذات الشاطئ؛ حيث لا تكون الصحافة مهنةً باردة أو مجرد نقل للخبر، بل هي موقف. وحيث تتحول الكلمة، في لحظةٍ فارقة، إلى ما يشبه النجاةأو المواجهة.
انصاف عبد الله
في زمنٍ كانت فيه الكلمات تُقاس بميزان الخوف، وتُكتب على استحياءٍ كأنها تمشي على أطراف أصابعها، خرجت إنصاف عبد الله سليمان من بين الركام، لا لتكتب الخبر فحسب، بل لتصنعه.. لا لتصف المشهد، بل لتخوضه حتى آخر نبضة في قلبه.
لم تكن إنصاف عبد الله سليمان مجرد صحفية تُجيد ترتيب الأسئلة في حوارٍ أنيق، أو تحترف اصطياد العناوين اللامعة؛ كانت، على نحوٍ نادر، من أولئك الذين يكتبون بالحبر حينًا، وبالخطى حينًا آخر. تمشي إلى الحدث، لا تنتظره. تعانق الميدان، لا تكتفي بمراقبته من خلف زجاجٍ بارد.
في بلدٍ أنهكته الحرب، وتنازعته البنادق كما تتنازع الرياح غصنًا هشًا، ارتدت إنصاف “الكاكي” لا بوصفه زيا عسكريا فحسب، بل بوصفه موقفًا. كانت أول صحفية تفعل ذلك في وقتٍ اختار فيه كثيرون أن يمسكوا العصا من المنتصف، يراقبون العاصفة دون أن يبتلوا بمطرها. لكنها، هي، آثرت أن تكون المطر.
من قلب المبادرات، برز اسمها وهي تقود مبادرة “عزم النساء”، لا كعنوانٍ نسوي تقليدي، بل كفكرةٍ متحركة، كقافلةٍ من العزيمة تشق طريقها وسط الغبار والقلق. هناك، حيث تتراجع اللغة أمام صخب المدافع، كانت إنصاف تعيد للغة معناها: أن تكون فعلًا.
في الكدرو العسكرية وحطاب العملياتية، لم تصل القوافل صدفة، بل بإصرار امرأةٍ تؤمن أن الطريق، مهما كان محفوفًا بالخطر، يمكن أن يُعبد بخطواتٍ صادقة. قادت وفدًا نسائيا هو الأول من نوعه يصل إلى تلك المناطق، حاملةً الدعم المادي في يد، والمعنوي في اليد الأخرى، كأنها توازن بين الجسد والروح في لحظةٍ واحدة.
وحين وصفت الحشد، لم تره مجرد تجمعٍ بشري، بل “ملحمة تأريخية” وصورةً مكثفة لوطنٍ يحاول أن يستعيد نفسه من بين أنياب الفوضى. قالت إن الجيش والشعب صاروا “على قلب رجلٍ واحد”، ولم يكن ذلك توصيفًا بلاغيًا بقدر ما كان إيمانًا يلمع في صوتها.
في مسيرتها الصحفية، لم تتخلَّ إنصاف عن مهنيتها، بل عمّقتها. حواراتها لم تكن مجرد أسئلةٍ وأجوبة، بل جسورا بين الواقع ووعيه، بين الحدث وتأويله. كانت تعرف كيف تُنصت قبل أن تسأل، وكيف تستخرج من الصمت ما لا تقوله الكلمات.
ومع ذلك، لم تختبئ خلف قناع “الحياد البارد” حين رأت أن الموقف يقتضي انحيازا. أعلنت، بوضوحٍ لا لبس فيه، وقوفها إلى جانب القوات المسلحة السودانية، معتبرةً إياها تجسيدا للشرعية والأمان في “سودان العزة والخير”. لم تُوارب، ولم تُجامل، بل اختارت أن يكون صوتها امتدادا لما تؤمن به، لا مجرد صدى لما يُقال.
ولأن الإنسان لا يُختصر في مهنة، امتد حضورها إلى العمل التنموي، عبر مساهمتها في منظمة “صحاري”، حيث تُصان كرامة الإنسان لا بالشعارات، بل بالفعل اليومي، وبالإيمان بأن الوطن لا يُبنى فقط بالبندقية، بل أيضًا باليد التي تُعمر، والعقل الذي يُخطط.
إنصاف عبد الله ليست مجرد “صحفية” بالمعنى المتعارف عليه، بل هي – إن شئت – حالة. امرأةٌ تمشي بين السطور وخارجها، تجمع بين رهافة الكلمة وصلابة الموقف، بين دفء المبادرة وقسوة الواقع. هي ليست شاهدةً على زمنها فحسب.. بل واحدة من أولئك الذين يكتبون تاريخه، سطرا سطرا، وخُطوةً خطوة.
ناصف صلاح الدين (البعشوم)
في ليلٍ سودانيٍّ مثقلٍ بالأسرار، حيث تتكاثر الظلال أكثر من الحقائق، ويصير الهمس أصدق من التصريحات، كان اسم ناصف صلاح الدين يتردد كأنه شفرة.. أو كأنه أثرُ خُطى لا تُرى، لكن يُهتدى بها.
لم يكن ناصف صحفيا عاديا، ولا حتى من أولئك الذين يكتفون بالوقوف على حافة الحدث؛ بل كان يدخل إلى قلب العتمة، ويعود منها بقبسٍ من الضوء، ولو كان الضوء ذاته مُدانًا في زمنٍ تُعاقب فيه الحقيقة.
يقولون إن الصحراء لا تُخفي أسرارها إلا لمن يُجيد الإصغاء لوشوشة الرمل؛ ولهذا لم يكن غريبا أن يُلقب بـ”البعشوم” (ثعلب الصحراء). لقبٌ التصق به كما تلتصق الحكاية بصاحبها، لا لأنه أقرّ به، بل لأن ظلاله كانت تتحرك حيث تتحرك الحقيقة.
منذ أواخر عهد نظام الإنقاذ، حين ظهر حساب غامض يحمل الاسم ذاته وينشر تسريباتٍ من عمق الأجهزة الحكومية، بدأ الربط بين الاسم والوجه، بين الحكاية والكاتب. لم يكن الربط وليد الصدفة، بل نتيجة تشابهٍ مدهش في الأسلوب: دقةٌ تُربك، ومعلوماتٌ تُحرج، وقدرةٌ على الوصول إلى ما يُفترض أنه عصيٌّ على الوصول. حتى أن شخصياتٍ سياسية، مثل أمين حسن عمر، ألمحت إلى أن ناصف ليس إلا الوجه العلني لذلك الكائن الصحفي المراوغ.
لكن ناصف، كعادته، لم ينشغل بتفنيد الأسطورة بقدر انشغاله بصناعة الحقيقة.
من خلال منصته “مونتي كاروو”، لم يكن يكتفي بنقل الأخبار، بل كان يفككها ويعيد تركيبها كمن يرسم خريطةً تحت القصف. تخصصه في الشؤون العسكرية لم يكن مجرد اختيارٍ مهني، بل قدراً اختاره أو اختاره القدر له.
في أعقاب فض اعتصام القيادة العامة المشئؤوم، حين اختلط الدم بالصمت، كان ناصف يكتب من تماسٍ مباشر مع الواقع؛ كشف تحركات الميليشيات، وقرأ طموحاتها السياسية، وعرّى شبكات دعمها الإقليمي والدولي. ومع اندلاع تمرد 15 أبريل 2023، صار صوته أكثر حضورا، وأكثر إزعاجا لمن يفضلون العيش في الظلال.
في السودان، ليست الحقيقة مهنة.. بل هي مخاطرة كبرى. تعرض ناصف لحملات تحريضٍ ممنهجة وتهديداتٍ بالقتل، حتى امتدت الضغوط لتطال أسرته. وفي ديسمبر 2025، حذر زملاؤوه من خطورة ما يتعرض له، واصفةً الأمر بانتهاكٍ جسيم لحقه في الحياة.
ومع ذلك، لم يتراجع، وكأنه يرى الخوف رفاهية لا يملكها. ورغم كل ما يُنسج حوله، ظل ناصف وفيًا لخطٍ أخلاقي لا يحيد عنه: أن تكون الحقيقة عارية دون تلوين، وأن تُقال دون مساسٍ بعرضٍ أو شرف. فهو، كما يشهد له المقربون، عفيفُ اللسان، لا يخوض في مستنقعات الشخصنة حتى وهو يواجه أكثر الملفات قذارةً.
يظهر على الفضائيات محللًا هادئًا، لكن خلف ذلك الهدوء يقف عقلٌ يفكك ويربط ويغامر. يراه البعض “مثيرا للجدل”، ويراه آخرون “صوتًا نادرًا للحقيقة”، بينما تراه أطرافٌ أخرى هدفًا يجب إسكاتُه. أما هو.. فيمضي.
ناصف صلاح الدين ليس مجرد اسم في سجل الصحافة الاستقصائية، بل هو اختبارٌ دائم: هل يمكن للحقيقة أن تنجو في أرضٍ تُطارد فيها؟ وهل يستطيع صحفيٌ واحد أن يظل واقفًا حين تتكاثر البنادق وتتقلص المسافات بين الكلمة.. والخطر؟
ربما لا يملك الإجابة، لكنه بكل ما يكتب.. يحاول.





