المقالات

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٤)

متابعات | تسامح نيوز 

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٤)

د. ياسر محجوب الحسين

في سياقٍ متصل بتلك الإشارة الأولى التي بشّرتُ فيها بأن الأمواج الناعمة ستواصل ملامسة شاطئ الصحافة، لا لتكسره بل لترسم ملامحه بريشةٍ خاضت خضمّ التجربة، تأتي هذه السلسلة التوثيقية كرسائل هادئة في ظاهرها، عميقة الأثر في جوهرها. هي ومضات ضوء التقطها الموج من عرض البحر، ثم أعادها إلى اليابسة، شهادةً على تجارب وأسماء ومواقف صنعت أثرها بعيدًا عن الضجيج. وهذه كوكبة جديدة من جنود القلم:

كمال حامد

يصعب أن يُختزل الحديث عن الأستاذ كمال حامد في سطور، فالرجل ممتد القامة مهنياً، رحب التجربة، متعدد الجوانب، زاخر العطاء عبر زمن طويل. هو من الأسماء التي شكّلت وجدان الصحافة، وكان مديراً لمكتب صحيفة الشرق الأوسط في ذروة انتشارها وتأثيرها قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، حين كانت الكلمة تصنع الرأي، والعناوين تصنع التاريخ.

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٤)

أروي هنا قصة شخصية أعدّها شاهداً ناطقاً على كريم أخلاقه ونبله الإنساني، ودليلاً ساطعاً على فهمه العميق لمسؤوليته تجاه الأجيال الجديدة من الصحفيين. دخلت عليه يوماً مكتبه، شاباً غضّ الإهاب، حديث التخرج، تتملكني رهبة المكان وهيبة الاسم، أحمل بين يديّ عدداً من نشرة إخبارية بسيطة أصدرتها لمنظمة خيرية، وكانت يومها أقصى ما بلغته تجربتي المهنية بعد أن أوكلت إليّ مسؤولية الإعلام والعلاقات العامة.

استقبلني الأستاذ كمال بمكتبه بوسط الخرطوم بترحيب دافئ أزال عني رهبة الموقف، وببسمة صادقة أعادت إلى روحي توازنها، وبسلوك مهني رفيع لم يثقل عليّ بسؤال أو يستعجل حديثي. ذلك الترحيب وحده كان كفيلاً بأن يملأ أشرعة ثقتي، ويمنحني الشجاعة لأقول: أنا مسؤول الإعلام في منظمة كذا، وهذه أول نشرة إخبارية نصدرها، ويسعدنا أن تطلع عليها.

وفي اليوم التالي، كانت تلك النشرة المتواضعة تتزين بأسطر أنيقة كتبها الأستاذ كمال في الصفحة الأخيرة من الشرق الأوسط. يومها شعرت أنني أنجزت ما يفوق عمري المهني، وتباهيت بذلك بين زملائي في المؤسسة، وكانت كلماته الدافئة زاداً مبكراً في أول الطريق، ونقطة ضوء لا تُنسى في مسيرتي.

هذا الموقف، على بساطته، يختصر كثيراً من أستاذية كمال حامد، ويجسد خلقه الرفيع، ويعكس إيمانه الحقيقي بدور الصحفي الكبير في احتضان الشباب، لا تهميشهم، وتشجيعهم لا كسرهم.

كمال حامد صحفي رياضي مطبوع، ظل لعقود يثري الساحة الصحفية بقلمه المسؤول وتحليله الهادف، سواء عبر صفحات الصحف أو شاشات التلفزة داخل السودان وخارجه، وما زال حتى اليوم يتحفنا بعموده المقروء “تقاسيم” الذي يشهد على حيوية فكره وتجدد رؤيته. وعلى امتداد مسيرته المهنية، التقى عدداً كبيراً من الزعماء والقادة، وبقي، رغم ذلك، قريباً من الناس، متواضعاً في حضوره، كبيراً في أثره.

خالد التيجاني

ظل د. خالد شخصيةٌ تجوب بثبات فضاءات الصحافة السياسية والاقتصادية، حتى ليعجب من يعرفه أن منطلقه الأكاديمي كان بعيدا عن هذا الحقل، إذ جاء من تخصص البيطرة؛ غير أنه لم يغادره كليا، بل استعار منه أدواته، فأخذ «إبر العلاج» و«مشارط الجراحة» ليُوظفها بمهارة في ساحات الوغى الصحفية وغرف العمليات الإعلامية، تشخيصا دقيقا وطرحا علاجيا لا يعرف المجاملة.

يُعد خالد من أقوى المحللين السياسيين السودانيين حضورا في الفضائيات العربية، جامعا بين الجرأة، وعمق التحليل، وامتلاك ناصية الحديث، في وقتٍ كثيرا ما تُؤخذ فيه الفضائيات العربية على الضيف السوداني وتيرة الأداء البطيئة وتواضع الحضور. حجته دامغة، ومعلوماته محدثة، فلا يكاد مذيعو القنوات الفضائية يجدون منفذا لاستفزازه أو التشكيك في طرحه.

وهو رئيس تحرير وصاحب مشروع صحفي، خاض معارك مهنية شاقة، وقاوم بعنادٍ مهني عقبات العمل الصحفي في بيئة اقتصادية ظلت تتدهور باستمرار. كما أسهم، مع نفر من زملائه، في إنجاز تجربة «الشراكة الذكية» التي تمثلت في دمج عدد من الصحف في صحيفة واحدة حملت اسم «الصحافة» العريقة، حفاظا على استمراريتها ومكانتها في المشهد الإعلامي.

سهير عبد الرحيم

صحفيةٌ أثبتت حضورا أنثويا قويا في مهنةٍ لا يُبالغ من يصفها بأنها مهنة البحث عن المتاعب، فشقّت طريقها بثبات واقتدار في مشهد صحفي شديد الوعورة. أصبح عمودها الصحفي «خلف الأسوار» علامةً فارقة، بل «علامة تجارية» تحصد أعلى الأسهم في بورصة الأقلام الصحفية، لما يتمتع به من تأثير واسع وانتشار جماهيري.

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٤)

ورغم بداياتها الهادئة في الصحافة الاقتصادية، فإن سهير قفزت خلال سنوات قليلة قفزاتٍ صاروخية في مجال التأثير على الرأي العام، متسلحة بجرأة مهنية مدهشة، وقدرة لافتة على ملامسة قضايا الجماهير. وقد وجدت هذه الجماهير في «خلف الأسوار» سورا حصينا تحتمي به من تغوّل دكتاتورية المسؤول، ذاك الذي يرفع شعار: «لا أريكم إلا ما أرى».

ولم تقف عند حدود التأثير الصحفي، بل استثمرت هذا الحضور في قيادة مبادرات اجتماعية ناجحة، انحازت فيها بوضوح إلى الطبقات الضعيفة والهشة في المجتمع، مؤكدة أن الصحافة الحقيقية فعلُ موقفٍ بقدر ما هي مهنة كتابة.

عزمي عبد الرازق

من أبرز شباب الصحافة، يمتلك لغةً صحفيةً متفردة تجمع بين الجزالة والقوة، ولا تخلو أحيانا كثيرة من الصدام الضاري والجرأة المهنية المسنودة أخلاقيا. وليس من قبيل المصادفة أن يحمل اسم عزمي؛ فالعزم عنده ليس لفظا بل ممارسة، يتجلى في ثبات الموقف، ووضوح الرؤية، وجرأة الطرح.

يتمتع بقدرات لافتة في التحليل السياسي المعمق، ورؤية نقدية تستند إلى فهم واسع للسياقات والمتغيرات. يحيط علاقاته بزملائه بسياج راسخ من الاحترام والتقدير المتبادل، ويُعد دينموا محركا للقسم السياسي في أي مؤسسة صحفية تحظى بانتمائه إلى كادرها. وقد استثمر طاقاته المهنية في تأسيس منصة إعلامية حملت اسم «الواحة»، قدّم من خلالها نموذجا إبداعيا للعمل الصحفي الحر، محلقا بعيدا عن الخطوط الحمراء والبرتقالية، ومتمسكا بجوهر المهنية والاستقلالية.

،،،والى موعد آخر بحول الله مع الحلقة (٥) من التلغرافات..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى