
د. ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٦)
نواصل هذه السلسلة من الأمواج الناعمة التي تضرب برفق صخور شاطئ الصحافة، لا لتكسرها، بل لتنقّب في طبقاتها، وتستخرج من أعماقها سِيَر صحفيين أثروا المشهد، وما زالوا يجولون ويصولون، ويبلون بلاءً حسنًا في معركة الصحافة الوطنية، إسهامًا صادقًا في مقاربة الإشكالات الراهنة التي تعصف بالوطن، ومحاولةً لردّ الاعتبار للكلمة حين تكون موقفًا ومسؤولية.
ويطيب لي، في هذا المقام، أن أتقدّم بالشكر والتقدير للأستاذين مصطفى أبو العزايم وكمال حامد على ما أسبغاه على هذه السلسلة من ثناء كريم وتشجيع محفّز. وشكرٌ خاص لأبي العزايم على كلماته الطيبة في عموده الشهير «بعد ومسافة»، وعلى تعضيده لفكرة هذا المشروع الكتابي، التي وصفها بدقة لافتة بأنها «ببليوغرافيا» للصحافة وأهلها. وسنظل نردد، يا أبا العزايم، معك ترنيمة الراحل ودّ الأمين: «غلبني الشوق وجيت من بعدي مسافات».. شوقًا لقلمٍ ظل يكتب بعقلٍ مستنير، وقلبٍ مفتوح على الناس والوطن.
ولا يفوتني هنا التنويه بأننا سنعاود الكتابة عن الزملاء: النور أحمد النور، عادل الباز، عبد الماجد عبد الحميد، عثمان ميرغني، أشرف عبد العزيز، الصادق الرزيقي، رمضان محجوب، ضياء الدين بلال، محمد عبد القادر، يوسف عبد المنان؛ إذ سبق أن تناولناهم في الحلقة الأولى تناولًا موجزًا للغاية، قبل أن تتبلور الفكرة وتتّسع في الحلقات اللاحقة. ومن الإنصاف للقارئ، أولًا، أن نعود إليهم بالكتابة وفق النسق الذي استقرّت عليه فكرة «تلغرافات شاطئ الصحافة».
واليوم، تمضي تلغرافاتنا في بريد هذه الثلّة الكريمة:
بابكر عيسى
أحد القامات السامقة في فضاء الصحافة السودانية بالدوحة، وحضورٌ ظلّ وارفًا لأكثر من عقدين من الزمان، لم يخفت بريقه، ولم تنل منه تقلبات المهنة ولا تعاقب السنين. في محراب الكلمة وصناعة الخبر، شقّ الأستاذ بابكر دربه بثبات العارفين، حتى تبوأ منصب مدير تحرير صحيفة الراية القطرية، إحدى أعمدة الصحافة في دولة قطر، وهو أعلى موقع مهني يمكن أن يبلغه غير القطريين، يجاور منصب رئيس التحرير ويقف على تخومه بثقة واقتدار.
بدأت رحلته المهنية على أرض السودان، حيث تفتّحت موهبته الصحفية في مدرستين عريقتين من مدارس الصحافة السودانية: صحيفتي «الصحافة» و«الأيام»، وهما المؤسستان اللتان ظلّتا، عبر عقود، مشتلا مهنيا خرّج جيلا متميزا من الصحفيين السودانيين، تشبّعوا بأخلاقيات المهنة، وصقلوا أدواتهم بالمسؤولية والالتزام قبل الاحتراف. ومن هاتين الصفحتين الأوليين، حمل بابكر زاده المعرفي وأسلوبه الرصين، وانطلق إلى آفاق أوسع، محتفظًا بجذوره المهنية الأولى، ومضيفا إليها اتساع التجربة وغنى المكان.
لم يكن بابكر عيسى مجرد إداري في مؤسسة صحفية، بل كان روحا نابضة في جسدها، وعقلا موزونا يضبط إيقاعها المهني. تميّز بحُسن العِشرة، وسعة الصدر، وانفتاحٍ أصيل على الآخر، فنسج من هذه الخصال شبكة علاقات راسخة مع رموز المجتمع القطري، إلى جانب وشائج متينة مع زملائه من الصحفيين العرب العاملين في بلاط الصحافة القطرية، حتى غدا اسمه مألوفًا في المجالس، وموثوقًا في غرف التحرير.
وبخبرته الصحفية المتراكمة، وأفقه المهني الرحب، وفهمه العميق لبنية المجتمع الخليجي وتشابكات السياسة الإقليمية والدولية، استطاع بابكر أن يسجّل سابقة نادرة، إذ ظلّ أطول فترة يشغل منصب مدير التحرير كأطول مدير تحرير أجنبي في تاريخ الصحافة القطرية. وخلال تلك السنوات، أسهم بوعيٍ ومسؤولية في إرساء خط مهني متوازن وموضوعي لصحيفة الراية، حافظ على مهنيتها، وارتقى بخطابها، وجعلها أكثر التصاقًا بقضايا الإنسان والمجتمع.
مشاعر عثمان
صحفية شابة تستحق عن جدارة لقب «الصحفية الحديدية»، لا من باب المجاز العابر، بل لأن تجربتها كُتبت بالصبر والصلابة ومواجهة العواصف. كانت أول صحفية سودانية ناشرة تقتحم نادي الناشرين السودانيين، وتخوض مغامرة الإصدار الصحفي بإرادة لا تلين، فأطلقت صحيفتها «أول نهار» في زمنٍ تكاثفت فيه الأزمات الاقتصادية والسياسية، وتراجعت فيه شهية المخاطرة، لكنها اختارت أن تمضي عكس التيار، مسلّحة بالإيمان بالفكرة والرهان على المهنة.
واجهت مشاعر عثمان تعقيدات اقتصادية قاسية، وتعرّضت لمحَنٍ كادت أن تعصف بالتجربة، لكنها قابلت ذلك بصبرٍ جميل وثباتٍ يُحسب لها؛ فلم تنكفئ، ولم تنسحب من المشهد، وخرجت من الأزمة أكثر صلابة، مرفوعة الرأس، شاهدةً بأن النجاح الحقيقي لا يُمنح، بل يُنتزع انتزاعًا، وأن الصحافة حين تُحمل بصدق تصبح فعل مقاومة، قبل أن تكون مهنة.
وواصلت مشاعر كفاحها الصحفي بإصرار، وقدّمت حوارات وتقارير متميزة، عكست حسًّا مهنيًا عاليًا، ووعيًا عميقًا بقضايا المجتمع والمرحلة.
ولهذا تحظى «الصحفية الحديدية» باحترامٍ وافر في الوسط الصحفي، على اختلاف مدارسه وتوجهاته، ولها علاقات إنسانية ومهنية مميزة بين الصحفيين والصحفيات على السواء. ومبعث هذا الاحترام أنها نقية السريرة، صادقة القول، خدومة، محبة للخير للناس جميعا؛ وهي صفات نادرة حين تجتمع في مهنة شديدة القسوة والتنافس.
محمد حامد جمعة
صحفيٌّ من طرازٍ نادر، لا يكتب من أبراجٍ عاجية، ولا يأنس مجالس النخبة بقدر ما يألف الطرقات والأسواق وحواري الديم، ويغوص في عمق حياة الناس العاديين حيث تتشكل الحكايات الحقيقية. لا يعرف اللهث وراء الأضواء، ولا يستسيغ التكلّف، بل يختار بمحض وعيه مخالطة دهماء الناس، يعيش وجعهم اليومي، ويصغي لنبضهم، ثم يرفع أصواتهم عالية في فضاء الكلمة، بلا مواربة ولا تزويق.
لا يُقيم جمعة وزنا للمناصب ولا يأبه بالأتكيت والبروتوكولات، فمقياسه الوحيد هو صدق الحكاية وعدالة القضية. يمتلك قدرات صحفية استثنائية، تجعله أشبه بورشة عمل متكاملة؛ إذ يستطيع إنجاز عدة صفحات صحفية في يوم واحد، بل في ساعات قليلة، وهو جهدٌ قد يحتاج إلى فريق متكامل وأيام طويلة. وقد أسعفه في ذلك نَفَسٌ بحثيٌّ عميق، وقدرة مبكرة على التقصي والتنقيب، إلى جانب مهارة نادرة في تطويع المعلومات المتاحة في الشبكة العنكبوتية لصالح مادته الصحفية، في زمنٍ كان فيه كثير من الصحفيين لا يزالون يتحسّسون طريقهم إلى الإنترنت بحذر.
ومن هذا الوعي المبكر، جاء حضوره اللافت والفاعل في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ظلّ يبشّر بمبادئه الوطنية، ويطرح رؤيته العميقة لإشكالات السودان السياسية، بجرأة العارف لا بانفعال العابر. وفي كتاباته، يبرع جمعة في توظيف المفردة الشعبية توظيفا ذكيا، يمنح النص دفئه وقربه من القارئ، فتأتي مادته ممتعة وسلسة، مقروءة بشغف من النخبويين والعامة على حدّ سواء، في معادلة نادرة قلّما تتحقق.
ويمتد أفق جمعة خارج الحدود، إذ تربطه علاقات متميزة بقطاعات مؤثرة في الجارة إثيوبيا، ويمتلك إدراكًا عميقًا لتعقيدات القرن الإفريقي وتشابكاته السياسية والتاريخية. وهو من أكثر الأصوات الصحفية قدرة على تناول العلاقات السودانية–الإثيوبية قراءةً واعية، تجمع بين التاريخ والحاضر، وتستشرف المستقبل بعين خبيرة وبصيرة نافذة.





