د. ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٧)

متابعات_تسامح نيوز
نواصل هذه السلسلة من الأمواج الناعمة التي لا تصنع ضجيجها من العلوّ، بل من العمق؛ أمواجٌ تضرب شاطئ الصحافة برفقٍ محسوب، لتنقّب بين صخوره، وتستخرج ما توارى من تجارب ظلّت فاعلة، مؤثرة، ومشاكسَة للزمن والسلطة معا.
هي محاولة للاقتراب من صحفيين لم يتعاملوا مع الكلمة كزينةٍ لغوية، بل كسلاحٍ أخلاقي، وكلفةٍ مدفوعةٍ سلفًا؛ صحفيين أدركوا أن السؤال الحقيقي لا يُطرح طلبا للإجابة، بل اختبارا لقدرة المنصّة على الاحتمال.
في هذه الحلقة الجديدة، نقف عند تجربةٍ جعلت من الجرأة هوية، ومن اقتحام المسكوت عنه منهجا، وأن أخطر الأسئلة هي تلك التي تُربك القاعة قبل أن تُربك المتحدث. هنا، لا تُكتب الصحافة من المناطق الآمنة، ولا يُدار القلم بحسابات النجاة، بل بمنطق الصدمة الواعية التي تُعيد ترتيب المشهد، وتكسر رتابته، ولو إلى حين.
عثمان ميرغني
صحفيٌّ دفع ثمن المبدأ كاملا غير منقوص هو من أولئك القلّة الذين لم يغيّروا مواقعهم حين تغيّرت الرياح، ولم يساوموا على قناعاتهم حين اشتدّ الضغط. ثباته على مواقف مبدئية ظلّ، في أغلب الأحيان، في تقاطعٍ حاد مع السلطة الحاكمة، فكان الثمن باهظا، حتى كاد يوما أن يدفع حياته نفسها. تعرّض لاعتداءٍ غادر في مكتبه وبين مسودات مقالاته خلّف إصابات بالغة، كانت إحداها في إحدى عينيه، كأن الحقيقة حين تُرى بوضوح تستفزّ من يخشون الضوء.
هو ناشر صحيفة «التيار»، صحيفة شعارها “ماك هوين سهل قيادك”، اتخذت من الجرأة نهجا، ومن عدم المهادنة هوية، فكانت منبرا يقول ما لا يُقال، ويكتب حيث يختار كثيرون الصمت. أما عموده الشهير «حديث المدينة»، فقد ظلّ لعقود من أكثر الأعمدة مقروئية وتأثيرا، لا لأنه يلامس الحدث فحسب، بل لأنه يتجاوزه، متخطّيا إطار الرأي الصحفي التقليدي إلى فضاء الطرح السياسي والفكري العميق.
في كتاباته، بدا عثمان مدافعا شرسا عن الحريات الصحفية، مؤمنا بها إيمانا عضويا لا ترفا نظرياً؛ ليبراليا حتى النخاع، واسع الصدر إلى الحد الذي يجعل من نقده اختبارا لقبول الآخر. ومهما اشتدّت سهام المخالفين، ظلّ يحسن الإصغاء قبل الرد، ويحتكم إلى الفكرة لا إلى صاحبها.
لم ينزلق يوما إلى معارك شخصية، ولم تُغره السجالات الهابطة أو الحوارات التي تهبط إلى درك الإسفاف. ظلّ لعبه نظيفا، يركّز على الكرة لا على جسد الخصم، وعلى القضية لا على الأشخاص؛ صحافةٌ بأخلاقها، وموقفٌ لا تشوبه شبهة.
أم وضاح (حنان عبد الحميد)
هي صحفيةٌ بألفِ صحفي على وزن العبارة العربية الدالة: «امرأة بألف رجل» وهي لا تُقال إلا في حق النساء العظام، يمكن أن تُنحت عبارة «صحفية بألف صحفي»، وتُهدى لأم وضاح، لا مجازا عابرا، بل توصيفا دقيقا لقامةٍ إعلاميةٍ صلدة، اختبرت معدنها في زمن المحن، فثبتت حيث تراجع كثيرون.
وأم وضاح، المعروفة بهذا الاسم في الفضاء العام، هي الكاتبة والصحفية حنان عبد الحميد، واحدة من أبرز الأصوات الصحفية النسائية في السودان، عُرفت بآرائها الصريحة ومواقفها الجريئة في الشأنين العام والسياسي، حتى وإن أثارت الجدل أحيانا، فالوضوح لا يخلو من ثمن.
نشأت في بيئةٍ عسكرية، إذ كان والدها ضابطًا في الجيش، وهو ما انعكس – كما صرّحت – على انضباطها الشخصي وصلابة مواقفها. درست في كلية التجارة بجامعة القاهرة – فرع الخرطوم، قبل أن تشق طريقها في بلاط صاحبة الجلالة، حيث بدأت بالصحافة المكتوبة، وبرز اسمها ككاتبة عمودٍ يومي في صحف سودانية واسعة الانتشار مثل «آخر لحظة» و«المجهر السياسي»، لما يقارب العقدين من الزمان.
كما خاضت تجربة التقديم التلفزيوني، وقدّمت برامج اجتماعية وسياسية، من بينها برنامج «رفع الستار» على قناة الخرطوم، الذي ناقش ملفات الفساد والخدمات العامة بجرأةٍ غير مألوفة. وهي كذلك أرملة الصحفي الرياضي الراحل صلاح دهب، في بعدٍ إنساني لم يُضعف حضورها، بل زاده صلابةً ونضجًا.
غير أن جوهر المعادن لا يُعرف في أوقات الرخاء، بل في ساعات الاضطراب الكبرى. ومع اندلاع الحرب الوجودية في السودان في منتصف أبريل 2023، خرجت أم وضاح من منطقة الرماد، واتخذت موقفا واضحا لا لبس فيه، منحازةً للقوات المسلحة السودانية، لا انحيازَ شعارات، بل انحيازَ وعيٍ يرى الوطن كيانا لا يحتمل المساومة.
عندها، انفتحت شاشات التلفزيون على صوتٍ مختلف، ورسائل محسوبة بميزان المسؤولية الوطنية. كانت أم وضاح، في تلك اللحظة، كـالخيل الأصيلة؛ والعرب تقول: «الخيل الأصيلة تلحق تالي» أي أن الأصيل لا يُظهر بريقه في البداية، بل يتقدّم حين تشتدّ الحاجة ويضيق الأفق.
وفي رسائلها الإعلامية، بدت كأنها امتدادٌ حديث لرمزٍ سودانيٍ راسخ في الذاكرة: مهيرة بت عبود، تلك المرأة الشايقية التي لم تحمل السيف في موقعة كورتي (1820م)ضد الغزاة، لكنها حملت الكلمة، واعتلت هودجها، تشحذ الهمم بالدوبيت، وتحوّل الصوت إلى راية، والشعر إلى وقود للثبات.
وهكذا، تلتقي السلسلة:
من أم عمارة في أُحد،
إلى مهيرة في كورتي،
إلى أم وضاح في حرب الوجود السودانية..
نساءٌ إذا ادلهمّ الخطب، تقدّمن الصفوف، لا طلبا للمجد، بل وفاءً للأرض، وإيمانا بأن الكلمة الصادقة حين تُقال في وقتها تكون تكون أشدّ مضاءا من السيوف.
عبد الباقي الظافر
الظافر صحفيٌّ عنوانه الجرأة لا غير، كنا حين يُمنح فرصة السؤال في مؤتمرٍ صحفي مهيب، يسري في القاعة إحساسٌ خفيّ بأن المنصّة على وشك الانفجار؛ فأسئلته لا تُلقى، بل تُفجَّر، ملغومة بالمعنى، معبّأة ببارود الحقيقة، ومُحكمة الإغلاق حتى لحظة الاصطدام. جرأة لا تكتفي بطرق الأبواب، بل تقتحم المسكوت عنه، وتزيح الستار عن مناطق طالها الصمت أكثر مما طالها الضوء.
عموده الصحفي يُقرأ في المكاتب الرسمية بقلقٍ ممزوج بالفضول؛ رهبة من حدّ السكين، وشغف بما سيقوله القلم هذه المرّة. يمتلك قلما لا يؤمن بالمناطق الرمادية، ولا يهادن المسافات الآمنة، يقول ما يخشاه الآخرون، ويكتب حيث يتردّد غيره في مجرد التفكير.
وإلى جانب ذلك، تميّز الظافر بتخصصٍ لافت في كتابة الأخبار الصغيرة المثيرة، أو ما يمكن تسميته بـ «ما وراء الأخبار»؛ أخبار قصيرة ذات نكهة خاصة، أحيانا مغلّفة، وأحيانا مرمّزة، لا تُقال كاملة بقدر ما تُلمّح، ولا تُفصح بقدر ما توحي. أخبار يُقبل عليها القرّاء بشغف، لا لسطحها، بل لتحدّي تفكيك طلاسمها وقراءة ما بين سطورها، فكانت أشبه بالكلمات المتقاطعة؛ تحفّز التفكير، وتوقظ الذهن، وتشعل الخيال، وربما تفتح أبواب التأويل على مصاريعها.
هذه الجرأة لم تكن بلا ثمن؛ فقد جرّت عليه مضايقاتٍ أمنية متكرّرة بلغت حد الضرب والتعذيب، كأن الحقيقة كلما ارتفعت نبرتها استدعت الحصار. ومع ذلك، لم ينكسر صوته، بل انتقل به إلى فضاء آخر حين خاض تجربة التقديم البرامجي عبر قناة أم درمان، مقدّمًا برنامجا سياسيا موسوما ببصمته الجريئة، فوجد صدى واسعا، وحصد متابعة كثيفة ومشاهدات عالية.
ومؤخرا، ابتلعته إحدى القنوات التلفزيونية العربية، ليغدو ترسًا في ماكينتها الإعلامية الضخمة، فغاب عموده الشهير «تقاسيم» عن القرّاء.. غيابُ صوتٍ اعتاد أن يربك السكون، ويكسر الإيقاع الرتيب للمشهد.





