أخبار

د. ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٨)

د. ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٨)

ما تزال الأمواج الناعمة تضرب صخور شاطئ الصحافة السودانية، لتنقّب في ثناياها، كاشفةً عن جواهر أضافت ولا تزال تضيف لهذا الميدان ألقه، وتعزّز دوره الوطني بوصفه ضميراً يقظاً وشاهداً على التحولات. وفي هذه الحلقة الثامنة من “تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية”، نقترب من ثلاثة أسماء صنعت حضورها بالمعرفة والموقف والجرأة: عقلٌ أرشيفي صبور جعل من المعلومة عقيدة، وصوتٌ إعلامي صلب حمل همّ الدولة والناس معاً، وقامةٌ نسوية مقاتلة في ساحات الرأي لا تعرف التراجع. هي حلقة عن صحفيين لم يكونوا عابري أمواج، بل كانوا بعضاً من المدّ نفسه، شكّلوا التيار، وتركوا أثرهم واضحاً على الرمل والذاكرة.

خالد الإعيسر

الاعيسر اسمٌ صقلته التجارب الإعلامية، محلياً ودولياً توزعت ما بين السودان ومالطا وبريطانيا، حتى غدا واحداً من الأصوات الواضحة في مشهدٍ كثير الضباب. عرفته منابر عربية مرموقة، من بينها صحيفتا «القدس العربي» و«الزمان» اللندنيتان، حيث تبلورت رؤيته الإعلامية، وتشكّل أسلوبه الذي لا يعرف المناطق الرمادية، ولا يهادن في ما يراه حقاً. واضح الرأي، معتدّ بوجهة نظره، مقاتلٌ شرسٌ في الدفاع عنها، لا برفع الصوت ولا بالانفعال غير المنضبط، بل بسلاح المعلومة الدقيقة والمنطق المتماسك.

لهذا السبب، تسابقت القنوات الفضائية على استضافته، ليعبّر بقوة واتزان عن رؤيته، مقنعاً كل من يستمع إليه ويشاهده ومفحما لخصومه على الشاشات الفضائية. ومع دخول البلاد في أزمة تمرد مليشيا الدعم السريع، تحوّل الإعيسر إلى أيقونة من أيقونات التحليل والتعليق السياسي في الفضاء الإعلامي العربي، حاملاً همّ الوطن، ومقدّماً قراءاتٍ عميقة تجمع بين الفهم السياسي والخطاب الإعلامي الرصين.

ذلك الحضور المؤثر، وتلك القدرة على التعبير الصادق والمبدع عن قضايا الدولة والشعب، أهّلته عن جدارة لتولي حقيبة الإعلام، حيث أبلى بلاءً حسناً، ونجح في أن يكون صوتاً معبّراً عن الدولة محافظا على حسه الوطني وانحيازه للناس. ورغم تجديد الثقة فيه ضمن حكومة الدكتور كامل إدريس الحالية، فإن تغييرات لاحقة في صلاحياته ــ لا تبدو منطقية ولا مبررة في نظر كثيرين ــ جعلت الشعب والوسط الإعلامي يفتقدانه حضوراً ودوراً.

وإلى جانب صلابته المهنية، يتمتع خالد الإعيسر بجانب إنساني رفيع، يعكس أخلاقه العالية، ويفسّر شبكة علاقاته القوية والطيبة والممتدة مع زملائه في الوسط الصحفي في السودان وخارجه. أكثر ما يميّزه في هذا الجانب قلبه الأبيض؛ فلا يعرف فجور الخصومة، ولا يحمل في داخله أحقاداً أو ضغائن، بل يظل مختلفاً بشرف، ومجادلاً بأدب، ومخلصاً لقيم المهنة والإنسان معاً.

عبد المحمود الكرنكي

ليس الاستاذ الكرنكي مجرد كاتبٍ عابر في سجل الصحافة السودانية، بل هو اسمٌ نُقِش بحبر المعلومة الموثوقة، وصبر الباحث، ودهشة الفكرة المتقدة. أستاذٌ في فن المقالة، ومالك ناصيتها، لا يكتب على عجل ولا يسلّم نصه إلا بعد أن يطمئن إلى صحة كل تفصيلة فيه؛ فقد يستغرق المقال عنده وقتاً طويلاً وجهداً مضاعفاً، انتظاراً لاستيثاق معلومة أو تثبيت مرجع. لذلك ظل من أكثر الكُتّاب شغفاً بالأرشفة، وأشدهم حرصاً على أن تكون الكتابة معرفةً لا انطباعاً، وشهادةً لا ادّعاء.

وعلى الرغم من عنايته العميقة واشتغاله الطويل بالفكر السياسي، فإن الكرنكي، بصفته رئيس تحرير، ظل واسع الأفق، متعدّد الاهتمامات؛ يولي الفن والثقافة عناية بالغة، ويتابع أخبار ونشاطات الطرق الصوفية بوعي العارف لا بفضول المتفرج. قليل الكلام، كثير الفعل، يترك أثره في ما ينجزه لا في ما يقوله، ويجعل من الكتابة طقساً خاصاً له شروطه الصارمة؛ فالعزلة عنده ليست هروباً، بل المعمل الأنسب لإنتاج فكرٍ ثقافي عميق، متماسك ومحكم.

جمع في مسيرته بين الانتماء السياسي والاهتمام المعرفي، فصار لاحقاً من أكثر السودانيين إلماماً بتفاصيل المجتمع السوداني، تركيبته، تناقضاته، وتحولاته الدقيقة.

بزغ نجمه كاتباً لافتاً في الصحف الحائطية، بحامعة الخرطوم في سبعينيات القرن الماضي حيث درس القانون قبل أن يعرفه القراء على نطاق أوسع مع جيل مدرسة «الأيام». فمنذ مطلع الثمانينات، كتب في زاوية «استراحة الأيام» إلى جانب كبار الكُتّاب، رغم كونه أصغرهم سناً، وطرح موضوعات جذابة ومتنوعة، جمعت بين الثقافة والفكر السياسي العميق، وترك بها أثراً واضحاً في الذاكرة الصحفية.

هاجر إلى أمريكا عام 1985، ثم إلى لندن عام 1993 كملحق إعلامي، حيث أثرى كتاباته بتجارب جديدة ودور اجتماعي بارز في الجالية السودانية.

أسهم في تطوير الصحافة بابتكارات مثل قالب الصفحة الأخيرة وتوثيق قبور الشخصيات العامة، مما يعكس وعيه بقيمة الذاكرة الوطنية. ورغم موقفه الفكري الصارم، تميز الكرنكي بالهدوء ولين الجانب في علاقاته الاجتماعية والصبر على الأذى ممن هم أقل منه سناً وخبرة وسبقاً، ولم يمارس دكتاتورية على مرؤسيه، بل تعامل معهم كواحد منهم لا رئيسهم، فهو شخصية تستحق الاحتفاء كعلامة فارقة في الصحافة السودانية.

 

رشان أوشي

تبرز رشان في فضاء الصحافة السودانية، كنجمة ساطعة في سماء الرأي العام، صحفية تمتلك مصادر أشبه بأنهار عميقة تغذي كتاباتها بالمعلومات النقية والنقد غير المجامل. كتاباتها، تلك الجواهر المصقولة بالرأي الجهير، الذي يحظى بتأثير يهز أركان السياسة كرياح عاتية تهز الأشجار العتيقة.

هي المصادمة الشجاعة، التي تقف كصخرة صلبة أمام عواصف الرأي المخالف، تدافع عن وجهة نظرها بقوة لا تلين، ولا ترتعد أمام أدوات جبابرة السياسة، سواء كانوا حاكمين يحكمون بقبضة حديدية أو معارضين يلوحون بسيوف الخطابة. موقفها من الحرب الدائرة كالنار المشتعلة في أرض السودان، واضح كالشمس في كبد السماء، إذ تقف بجانب الجيش بإصرار يشبه إصرار الجبال على الثبات، مستعدة لدفع أثمان باهظة كالتي يدفعها الأبطال في ملاحم الأساطير.

اكتسبت معرفة عميقة بدهاليز السياسة السودانية، تلك المتاهات المعقدة والتقاطعات الخفية كشبكة عنكبوت مترامية الأطراف، فأصبح تناولها للقضايا متخصصاً كالجراح الذي يعرف كل شريان في الجسد، قائماً على معلومات صلبة ومدركات حادة تعضد رأيها وتحليلها للأحداث كأعمدة تدعم قصراً شاهقاً. لهذا، يجد مخالفوها صعوبة بالغة في مقارعتها حجة بحجة، فيلجأون إلى أساليب أخرى كالظلال الخبيثة، يحجرون على آرائها ويرهبونها، خاصة إذا امتلكوا قوة غاشمة تشبه وحشاً كاسراً يتربص بفريسته في الظلام.

نواصل بحول الله

د. ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٨)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى