أخبار

د. ياسر محجوب الحسين: تهميش الإعلام 

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

منذ أن حاول فولكر بيرتس رئيس بعثة الأمم المتحدة في السودان فرض “الاتفاق الإطاري”كمؤامرة دولية لإعادة مجموعة “قحت” إلى السلطة، دخل السودان في مرحلة استثنائية لم تشهد لها مثيلاً. كانت “قحت” قد فشلت في حكم البلاد فشلاً مشهودا سارت به الرياح رغم أنها حظيت بفرصة تاريخية لم تتح لأي مجموعة سياسية قبلها، فأدارت الدولة بفوضى وفساد وانهيار أمني واقتصادي. ولم تستسلم بعد إحباط المؤامرة، بل ورطت معها مليشيا الدعم السريع في حرب وجودية كادت أن تجعل السودان أثراً بعد عين، وتُحوّل أرض المحنة والذهب والنيل إلى خراب شامل.

في ظل هذه الأوضاع الاستثنائية، كان لا بد أن يكون التعامل مع السلطة استثنائياً أيضاً. لكن كلما ضعف “تيرمومتر” علاقة السلطة بالإعلام، ازدادت دسامة النكهة العسكرية بل وغموضها، وكأنها تخشى أن يرى الناس ما خفي. هنا يكمن التناقض الكارثي: السلطة تحتاج الإعلام كالهواء، لكنها تُعامله كعدو محتمل.

مع ذلك، ظل الإعلام السوداني معتصماً بدوره الوطني النبيل وهو دور تاريخي نشأ تبلور مع تنامي النضال الوطني ضد الاستعمار؛ فلم يكن مجرد ناقل أخبار، بل كان سيفاً حاداً يدعم الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها القوات المسلحة الباسلة. كشف زيف “قحت” وتآمرها مع بعثة أمنية استجلبتها في غفلة من السلطة العسكرية، وفضح جرائم الدعم السريع، ووثّق المجازر والانتهاكات بلا خوف. لم يقف عند هذا الحد، بل دفع بأفضل وأصلب عناصره إلى “كابينة السلطة” ليشارك في بناء الوعي الوطني وتعزيز الصمود.

لكن حالة عدم اليقين التي تسيطر على السلطة وضعت وزارة الإعلام ووزيرها في ركن قصي بعيد؛ فرضت عليها عزلة قاتلة، وكمّمت أفواهها، وجعلتها صوتاً خافتاً او معدوما في معركة تحتاج إلى صرخة مدوية. هذا الإهمال ليس مجرد خطأ سياسي، بل كارثة استراتيجية. السلطة بدون إعلام كالجسد بلا عيون: تتحرك في الظلام وتتعثر في كل حجر. التاريخ يشهد: الاتحاد السوفيتي دفع ثمناً باهظاً حين أدرك متأخراً أن الإعلام ليس ترفاً بل سلاحاً.

يقول المفكرون: “السلطة بدون ثقة الأمة لا شيء”، والثقة لا تُبنى إلا بالشفافية والتواصل. أما السلطة التي تكمم أفواه إعلامها الوطني فهي سلطة خائفة من الحقيقة، ضعيفة أمام الشائعات، ومعزولة عن شعبها. إنها تُقدّم للعدو على طبق من ذهب أقوى أسلحته: فراغ إعلامي يملأه التضليل والكراهية.

اليوم، أمام السودان فرصة تاريخية لإعادة بناء علاقة السلطة بالإعلام على أسس وطنية متينة؛ ليس بالعزلة والكم، بل بالثقة والشراكة. فالإعلام ليس خطراً على السلطة، بل درعها وصوتها الذي يحمي الدولة ويحصنها. أي سلطة تُهمل هذا الدرع فإنما تُعرّي نفسها أمام الأعداء، وتُسرّع سقوطها بيدها.

همسة: القائد مالك عقار ظل استثناءً في العناية بالاعلام ومعرفة قدره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى