أخبار

د ياسر محجوب الحسين: خارجيتنا والسير فوق النار

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

عكس بيان وزارة الخارجية السودانية الأخير الحرب في الخليج افتقارا واضحا للرؤية الاستراتيجية والعمق السياسي وكرس حالة الكسل الذهني والاكتفاء بأسهل المواقف وهي التبعية؛ إذ غرق في لغة إنشائية ومفردات دبلوماسية كلاسيكية لا تلامس جوهر التحولات المتسارعة. وبالمقارنة، نجد أن بيان سلطنة عمان قدم نموذجا يحتذى به في الدبلوماسية الرصينة والمتزنة؛ فبالرغم من كونها عضوا فاعلا في مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها نجحت في صياغة موقف يحفظ الاستقرار ويغلب لغة الحوار دون الانزلاق في فخ الاستقطاب وادانة بوضوح الاعتداء الامريكي – الاسرائيلي البادئ على إيران ومن ثم الهجمات الإيرانية على دول الخليج الآمنة تحت أي مسوغ. هذا الفارق يبرهن أن الدبلوماسية ليست مجرد اصطفاف آلي، بل هي فن إدارة المصالح في بيئة مضطربة، وهو ما فشل فيه البيان السوداني الذي جاء مرتبكا وتائها بين المحاور الإقليمية ووقع في مأزق أخلاقي حين لم يشمل جميع دول الخليج سيما وأن السودان يقدر جميع شعوب الخليج والمقيمين على أرضها.

بينما تتجه الأنظار إلى الخليج العربي بوصفه مسرحا للمواجهة القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتشكل ملامح صراع يتجاوز حدود الاشتباك العسكري التقليدي. فالمسألة لم تعد مجرد ردود فعل متبادلة أو رسائل ردع محسوبة، بل صراع إرادات مفتوح على احتمالات واسعة، في منطقة تمسك بمفاتيح الطاقة العالمية وتتحكم في شرايين الاقتصاد الدولي. الخليج اليوم ليس ساحة نزاع عابر، بل عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى. أمن مضيق هرمز تحديدا يمثل نقطة ارتكاز في معادلة الاستقرار الدولي؛ فأي اضطراب فيه كفيل بإشعال أسواق الطاقة، وخلق موجات تضخم تضرب الشرق والغرب معا.

معادلة الردع القائمة تبدو مستقرة في ظاهرها، لكنها في جوهرها أقرب إلى “هشاشة منظمة”. التفوق العسكري الأمريكي، المدعوم بتحالف وثيق مع تل أبيب، يقابله تصاعد ملحوظا في قدرات إيران الصاروخية والسيبرانية، إضافة إلى توظيف متزايدا لتقنيات الطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية. هذا التحول يعيد تعريف مفهوم القوة؛ فلم يعد التفوق يقاس بحجم الجيوش فقط، بل بالقدرة على شل الخصم رقميا، واختراق بناه الحيوية عن بعد. وهنا تبرز الحاجة السودانية لاستلهام “النموذج العماني” في تبني الحياد الإيجابي الفعال، بعيدا عن الانكفاء الداخلي أو التبعية المطلقة التي تضعف السيادة الوطنية.

يجب أن تستند الرؤية السودانية إلى تعزيز المصالح القومية كأدوات ضغط دبلوماسية، مع بناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة لا على التخندقات الأيديولوجية الزائلة. إن تفعيل دور السودان كحلقة وصل إقليمية يتطلب توحيد الجبهة الداخلية أولا، وتقديم خطاب سياسي يتسم بالواقعية، يدرك أن استقرار السودان مرتبط عضويا باستقرار البحر الأحمر والخليج العربي. القوة الحقيقية ليست في عدد الصواريخ، بل في القدرة على منع الانفجار الكبير قبل وقوعه. الردع الدبلوماسي، هو صمام الأمان الأخير في منطقة تقف على حافة اشتعال واسع. فالخليج لا يحتمل حربا شاملة، والسودان بدوره لا يملك رفاهية البقاء متفرجا أو مرتبكا في بيئة تعيد تشكيل نفسها بالحديد والنار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى