المقالات

د ياسر محجوب الحسين: رمضان.. جدلية الهلال بين الفقه والفلك

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

في كل عام، ومع أفول أواخر الشهور العربية، يتجدد السجال المعهود بين الفقهاء والفلكيين حول مسألة رؤية الهلال وإثبات الصيام؛ وهو جدلٌ لا تتوقف مفاعيله عند حدود العلم أو الدين فحسب، بل يمتد ليعكس تباينا في زوايا النظر، وكيفية فهم النص الشرعي في ظلال التحولات المعرفية المعاصرة.

يرى علماء الفلك أن حركة الأجرام السماوية تترسم خطى قوانين فيزيائية دقيقة ومطردة، وأن الحساب الفلكي المعاصر بلغ شأوا من الدقة يتيح استشراف بدايات الشهور ونهاياتها لعقود مديدة، بل لنصف قرن وأكثر، دونما اضطراب أو تخمين. فـ”الاقتران”، و”مكث القمر”، و”ارتفاعه عن الأفق”، كلها مع

طلتوجه إلى الحرص على وحدة الأمة الشعائرية، وسد ذريعة الخلاف، والتمسك بما استقر عليه العمل المؤسسي عبر القرون.

بيد أن هذا التعارض “الظاهري” بين منطوق النص ومعطيات العلم دفع بعض علماء اللغة والمقاصد إلى صياغة مقاربة أكثر عمقًا؛ تنطلق من بلاغة الوحي وإدراك أن النصوص الشرعية تخاطب العقل بلغة مرنة، تستوعب تطور الوسائل ولا تحبسها في قوالب جامدة. فاللغة العربية في رحابتها القرآنية لا تقف عند الحرفية الضيقة، بل تتسع للمجاز والدلالات السياقية الفسيحة.

يقول الله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: 185)؛ و”الشهود” في لسان العرب لا ينحصر في الرؤية البصرية، بل يمتد ليشمل العلم، واليقين، والحضور المعرفي؛ إذ يقال: «شهدتُ الأمر» أي علمته وتحققته بيقين، وإن لم أباشره بالعين. وكذلك لفظ “الرؤية” في العربية لا يتقيد بالإبصار الحسي، بل يُستعمل للدلالة على الإدراك العقلي واليقين القلبي، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، رغم أن المخاطب لم يعاين الحادثة ببصره.

ومن هذا المنظور، يرى هذا الاتجاه التجديدي أن الحساب الفلكي – بما يوفره من يقين رياضي – يمثل نوعا من “الرؤية” بمعناها اللغوي والبلاغي الواسع، وليس نقيضًا لها. فالرؤية هنا وسيلة لتحصيل العلم بدخول الشهر، وهذا العلم قد يتحقق بالعين المجردة، وقد يتحقق بالمعادلة الحسابية، أو بتكامل الاثنين معا.

إن جوهر الخلاف – على ما يبدو لي – ليس صراعًا بين الدين والعلم، بل هو تباين بين قراءة حرفية للنص وقراءة تستحضر مقاصده الكلية وسياقه اللغوي. ولعل التحدي الماثل اليوم هو الانتقال من منطق “التصادم” إلى منطق “التكامل”؛ حيث يغدو العلم خادما للنص، ويُفهم النص في ضوء سنن الكون، بما يحفظ الثوابت ويُفعل طاقات العقل في آن واحد.

الاثنين ١٦ فبراير ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى