
متابعات | تسامح نيوز
يعد مضيق هرمز شريان الحياة للاقتصاد العالمي. يمر عبره يوميا نحو 20 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات النفطية، أي ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط، و25% من تجارة النفط المنقولة بحرا، بالإضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وتبلغ قيمة التجارة السنوية عبر المضيق حوالي 600 مليار دولار. وإذا أغلق المضيق، فإن الخسائر الاقتصادية العالمية ستكون كارثية: ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، تضخم عالمي حاد، ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وخسائر يومية تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، مع تهديد سلاسل الإمداد العالمية للطاقة والبتروكيماويات.
لكن من له الحق في التحكم بهذا الممر الحيوي؟ الإجابة تحمل تعقيدا قانونيا يجمع بين الجغرافيا والقانون الدولي. مضيق هرمز ليس مياها دولية بالمعنى الحرفي (أعالي البحار)، بل هو ممر مائي يقع بالكامل ضمن المياه الإقليمية لدولتين: إيران وسلطنة عمان. يضيق المضيق في أضيق نقطة إلى حوالي 33 كيلومترا (21 ميلا بحريا). وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، يحق لكل دولة ساحلية تمديد مياهها الإقليمية إلى 12 ميلا بحريا (22 كم). ونتيجة لذلك تتداخل المياه الإقليمية لإيران وعمان، ولا توجد مساحة تصنف كـ أعالي بحار.
ومن هنا، فإن الوضع الأقرب للقانون الدولي هو المناصفة بين الدولتين الساحليتين. ورغم ذلك، يمنح القانون الدولي المضيق وضعا خاصا بموجب حق المرور العابر (Transit Passage)، الذي يسمح للسفن التجارية والعسكرية بالعبور بحرية وسرعة، طالما لا تهدد أمن الدول الساحلية. إيران، التي لم تصدق نهائيا على الاتفاقية، تميل أحيانا إلى نظام المرور البريء الأكثر تقييدا، بينما يتمسك المجتمع الدولي بحق المرور العابر كعرف دولي ملزم.
وبما أن سلطنة عمان تمثل هنا مصالح دول الخليج العربي ولها قبول واحترام لدى طهران، فإن الأزمة الحالية يجب أن تحل في إطار خليجي إيراني مشترك، مدعوما بدعم دولي بناء يحترم السيادة المشتركة.
حتما، اليوم الكاميرا على هرمز.. لكن العدسة الأوسع يجب أن تكون على الضمير العالمي. فحين تتحول الملاحة البحرية إلى رهينة للسياسة، ويداس القانون الدولي بقدم الاستثناء الأمريكي، يصبح البحر مرآة أخيرة لعجز البشرية عن قول كلمة حق. فإيران، رغم لتحفظ الكبير على سياساتها، ليست وحدها في قفص الاتهام. هناك قوى غاشمة وطاغية، تضرب وتقتل وتعاقب، ثم تطلب من الضحايا الصمت. ولعل في عاصفة مضيق الملوك الفرس، إن اشتدت، صفارة إنذار تقول: لا بحر يفتح إلى الأبد، إن أغلقت في وجه العدل كل الطرق.
المشكلة الأساسية تكمن في سلوك الرئيس الأمريكي الذي دفع باتجاه تكسير القوانين الدولية والدوس عليها، معتبرا نفسه فوق الجميع. اليوم يجد نفسه في ورطة حقيقية: الرجل الذي صعد شجرة عالية بدفع من بنيامين نتنياهو، يبحث الآن عن طريقة للنزول منها بأقل الخسائر. هذا السلوك الأحادي لم يخدم سوى تعميق الأزمة، بدلا من بناء حلول مستدامة.
في النهاية، مضيق هرمز ليس ملكا لأحد بمفرده، بل هو مسؤولية مشتركة. الحل المستدام يكمن في حوار إقليمي يضمن حرية الملاحة مع احترام السيادة، مدعوما بدعم دولي حقيقي. إن أي استمرار في نهج العبث الحالي لن يؤدي إلا إلى انفجار اقتصادي وأمني لا يحمد عقباه، يضع الاستقرار العالمي بأكمله على المحك.





