المقالات

رحاب حمراي: يا منايا حومي حول الحمى واستعرضينا واصطفي

الخرطوم - تسامح نيوز

رحاب حمراي: يا منايا حومي حول الحمى واستعرضينا واصطفي

رحاب حمراي.

يامنايا حومي حول الحمى واستعرضينا واصطفي ..كل سمح النفس بسام العشيات الوفي
العف كالأنسام روحا وسجايا

في الثلث الأخير من الليل ، حينما ينزل الله إلى السماء الدنيا، يجيب داعيا،ويعطي سائلا ،ويغفر لمذنب…. السابع من فبراير 2024، والذي يصادف ليلة الإسراء والمعراج، عرجت روح طاهرة ، إلى بارئها: هي روح أبي إلى روح وريحان، ورب غفور غير غضبان.

التعاون بين أوكرانيا وميليشيا الدعم السريع: انزال الستار
تسامح نيوز-موقع اخباري سوداني

رحل أبي وغاب عنا في رحلة الخلود الأبدية في هدوء وبساطة ، كما كانت حياته ،في بساطة دون تعقيدات أو صعوبات، رغم أن جل حياته ، لم تخلو من المحن والابتلاءات ،التي كان يقابلها صابرا محتسبا مبتسما، وكان كثيرا مايتمثل بقول خالد بن الوليد : (مافي جسدي إلا ضربة سيف ، أو طعنة رمح ، وها أنا أموت على فراشي كما تموت العير، فلا نامت أعين الجبناء)

ولمن ولى حديث يذكر
ولمن ولى حديث يؤثر

،لانه عمل في السلاح الطبي،منتدبا في جنوب السودان ،وشارك في الحرب على التمرد في سنواته الاولى،وكانت أمنيته ان يموت شهيدا ،إلا ان المنية عاجلته في مستشفى على عبدالفتاح بالسامراب،بعيدا غريبا عن أهله ومدينته التي أحبها،ورفض الخروج منها، (وماتدري نفس بأي أرض تموت).

في أحايين كثيرة لا تسعفنا كلماتنا ، وتظل عاجزة في رثاء أقرب الناس إلينا .ولم يترك لي أصدقاؤه وعارفي فضله ما أقول ،فقد تسارعوا وهرعوا في الحديث : شعرا ونثرا عن فضائل أبي الحبيب ، ماأسعدني وضاعف من حزني ، فذكراه تؤلمني وتسعدني ، (في غد يعرف عنا الراحلون أي حب قد حملناه لهم ).

رحاب حمراي: يا منايا حومي حول الحمى واستعرضينا واصطفي

كان أبي بلسما لكل مريض ، ونقطة غيار لكل جريح ، ماجاءه عليل إلا وبسماحته قبل مبضعه قد عاد مسبغا عليه من الله بالعافية، كما وصفه عمار الهندي ،لذلك كان بيتنا مطروقا ليلا ونهارا من طال العلاج أو الرعاية الطبية أو التمريض، وكان أهل الحلفاية كثيرا ما ينادونه ب ( الدكتور) .

يوم السبت الذي سبق غيابه عن الوعي ، صلى صلواته كلها في المسجد القريب ، قبل أن يدنسه الأوباش ، ذهب متوكئاً على أخويّ، وختم القرآن الكريم ، وطلب مني مصحفاً ،فيه دعاء ختم القرآن، وكان قبله قد أكمل قراءة رياض الصالحين ، والأربعين حديثاً النووية.

أخذت عنه حب القراءة والاطلاع ، وعشق المذياع ،نشأنا في بيت القراءة فيه ليست رفاهية ، ولم يكن بيتنا يخلو من وجود صحيفة أو كتاب ، كانت الصحيفة اليومية تدخل إلى البيت مع كيس الخدار والفواكه، وعندما عملت بالصحافة كان أبي أول من شجعني لولوج بلاط صاحبة الجلالة .

وكنت حريصة أن أحمل له كل يوم النسخة الإكرامية من صحيفته المفضلة ،وكثيرا ماكان أبي ــ رحمه الله ـ يمدني بأفكار جديدة أو اقتراح لمقال أو تحقيق صحفي أو حوار شخصية مهمة ، وكثيرا ماكانت تدور بيننا وأبي وإخواني مناقشات فقهية وأدبية وسياسية.
بعد الرحيل بأيام قليلة،بدت عبارة: (الله يرحمو) ،ثقيلة غريبة على لساني،وكأن غيري ينطقها.،او كأنني أقولها لشخص غريب ،لا تربطني به اي صلة !.

عذبتني التفاصيل الصغيرة في حياة أبي ،كل شيء يذكرني به حركاته،سكناته في البيت وخارجه، عصاه ،مسبحته ،مصحفه ، وحتى ( نضارة القراية) التي نتبادل لبسها ، حرصه على هندامه،قبل خروجه   للعيادات والمشافي،عصيره المفضل،قهوته التي يفضل إعدادها وقليها بنفسه،

دخوله علي في المطبخ ليطلب شيئا،خشخشة حذائه وهو يجر رجليه جرا، ليرافق أخوي للصلاة في المسجد القريب،او عندما نناديه للطعام، .حتى عشقه لزيت السمسم الذي  كان يستخدمه مساجا وباتت أختي تمقته،لأن أبي حرم منه جراء الحرب.

لا أتصور كيف سيكون البيت دونه،عندما نعود للحلفاية،بصمته وصوته في كل مكان،هو نورنا وبركتنا.
يااااااحيلك ي أبوي !!!

كان رأيه في الحرب واضحا،إن هي إلا غمرة  وانجلاؤها  وشيك، لذلك رفض أن يخرج من بيته ،إلا بعد ان أشتدت عليه وطاة المرض والوحدة،وهو المحب للناس كان متفائلا،واثقا بالظفر والنصر ،ويحاول ان يبث في نفوسنا الطمأنينة والأمان .

كان لسانه يلهج بالعرفان،إذا لبينا له طلباته ،والتي لا تعدو كوب ليمون ،او كأس زبادي،او مرافقته للعيادة أو إلى دكان قريب، أو كتابا يقراه ،وحتى عندما تقدم به العمر كان يحب أن يخدم نفسه بنفسه،ويعد قهوته  وعصيره،ويغسل ملابسه بنفسه ، ان وجدنا مشغولين، لا يثقل علينا .

،ولا يلح بطلباته ،وعندما كنا صغارا ،كان يصحو مبكرا،ويعد شاي الصباح،ويضعه في  الحافظة،وعندما نستيقظ نجده جاهزا ، ويعد لنا العشاء او السحور ،ليوقظنا واحدا واحدا  لتناوله ،هكذا علمته حياته العسكرية،وكثرة أسفاره،وامتهانه التمريض.

أسر لزوجة أخي ولم تكن تناديه بغير (أبوي) أنه سعيد لأنه شهد مولد أحفاده،وأنه أصبح وحده (شجرة) ،وكأنه أحس أنه قد أدى دوره  ورسالته في الحياة،وآن له ان يرحل ( يكفيه نبلا أنه أدى الرسالة وانتهى)، كان يفتخر أن له أحفادا يلهون ويتقافزون حوله،لذلك لم يكن يتردد أن يستجيب لطلباتهم الملحة،أو يرافقهم للدكاكين القريبة،ويعودوا محملين بالبسكوت والحلوى والفرح.

وأسعد لحظاته عندما يجتمع شمل الأسرة في البيت الكبير كل جمعة.
حمل عني ومعي هم تربية بناتي،لم يعرفن أبا غيره،وقد تفتح عيونهن على وجوده وحبه وعطفه.

قليلة بل نادرة تلك الاوقات التي كنت أراه فيها غاضبا أو ساخطا أو متبرما، بل لا أذكر حتى ونحن صغارا انه انتهرنا أو ضربنا أو سبنا،ولا أذكر انه خاصم أو عادى أحدا بالمرة،وكان الناس قد اجتمعوا على حلو معشره، وطيبته (وحياته بالحب قد كانت تمازج غيرها).

الباحث الإجتماعي محمد أحمد عبدالحميد عبر عن حزنه وحسرته  عندما علم برحيل أبي،وقد تعرف عليه في إحدى حلقات التلاوة بفريق الشايقية،وقال ان أبي يمتلك  كما من المعارف والروايات والانساب  عن الحلفاية وأهلها  ،لذلك عندما  خطط أن يوثق لتاريخ الحلفاية عبر ثلاثة من رجالها، كان أبي أحدهم.فإذا المنية قد سبقته إليهم!.

الجمعة كانت بالنسبة إليه مع فضائلها المعروفة يوم عيد، يوم الأسرة،ويوم حلقة التلاوة ،يستعد لها منذ الصباح ،ويأتي بشير نصر مبذولا متكرما لخدمة أبي ومرافقته بعربته، ان كانت الحلقة في الحلفاية أو خارجها.

كان القرآن أنيسه وجليسه،ولا يفارق المصحف يده إلا في أوقات قليلة،فلا يفرغ من ختمة إلا يبدأ أخرى ،ولا ينام   إلا على أصوات التلاوة من الشاشة أو الراديو،وإذا حاول احدنا  مرة أطفاء الشاشة،فإنه يصحو فورا !

يوم السبت ختم القرآن ،وسألني عن مصحف فيه دعاء ختم القرآن،لم اجده في البيت ، وعبر عن سروره عندما أحضرته من جيراننا،يوم الاحد صلى صلواته كلها في المسجد القريب،وأراد ان يرافق منتصر للدكان ،متوكئا عليه،فلم يقدر،في المساء سقط من السرير،ودخل في غيبوبة ليومين طريح الفراش بالمستشفى ، حتى أسلم الروح لبارئها  ،فكان آخر أعماله،ختمه للقرآن،وأحسبها من حسن الخاتمة.

اللهم أغفر لابوي وارحمه وعافه واعفو عنه.وأكرم نزله ووسع مدخله ،واغسله بالماء والثلج والبرد ،ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ،اللهم اجعل القرآن انيسا وجليسا له في قبره،وشفعه  فيه يوم القيامة ،واجعل كل ماقدمه  في ميزان حسناته،وهبه الفردوس الاعلى من الجنة ياأكرم الأكرمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى