أخبار

رحلة الموت.. ماذا يحدث لسائقي الشاحنات التجارية.. وكيف سيطرت تجارة الابتزاز على المعابر!!

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

على بعد كيلومترات معدودة من العاصمة السودانية الخرطوم، تتحول رحلات الشاحنات التجارية المتجهة نحو ولاية سنار إلى ساعات محفوفة بالموت والابتزاز.

ولم يعد التحدي الأكبر كما السابق في وعورة الطرق أو مخاطر الحرب فحسب، بل في فاتورة العبور الباهظة التي تُفرض على السائقين قسرًا، من أفراد مدججين بالسلاح في كثير من الأحيان.

الدفع أو العودة

يستعيد السائق الملقب بأبو عمر (48 عامًا)، الذي طلب إخفاء هويته حفاظًا على سلامته، تفاصيل تلك اللحظات العصيبة بحسب “سودان تربيون”، كيف أنه وجد نفسه فجأة وجهًا لوجه أمام أحد المسلحين الذين أوقفوا شاحنته في منتصف الطريق.

ولم ينتهِ الموقف بالاطلاع على الأوراق الثبوتية ورخصة الشاحنة، بل امتد لعملية مساومة فجة -كما يقول- إذ طالبه الجندي بدفع مليون وثلاثمائة ألف جنيه تحت بند رسوم عبور.

وبعد ساعات من المفاوضات الشاقة والمريرة، يقول أبو عمر إنه نجح في خفض المبلغ إلى 800 ألف جنيه نظير السماح له بالمرور.

اقتصاد الارتكازات

لا يُعد ما تعرض له أبو عمر حالة فردية، بل هو مشهد تتكرر سيناريوهاته بنحو شبه يومي؛ ففي مسافة لا تتعدى بضع عشرات من الكيلومترات على امتداد طريق الخرطوم – سنار، يجد سائقو الشاحنات أنفسهم مجبرين على اجتياز عشرات الارتكازات التابعة لمجموعات مسلحة محلية.

ويقول أبو عمر إنه في كل ارتكاز تتلخص المعادلة في قاعدة واحدة صارمة: “لا مرور بلا إتاوة”.

وتتفاوت قيمة هذه الرسوم غير الرسمية بناءً على عوامل عدة تشمل حجم الحمولة وطبيعة البضاعة المنقولة، كما يؤكد أبو عمر.

ويشير في الوقت نفسه إلى أهمية نجاح السائق في جولات المفاوضات مع المسلحين لأن فشلها يؤدي إلى العودة.

ويؤكد أن الشاحنات المحملة بالمواد الحيوية كالوقود، السكر، والمواد الغذائية تتحمل النصيب الأكبر من هذه الإتاوات الباهظة، حيث يستغل المسلحون حاجة الأسواق الملحة وحرص السائقين على وصول شحناتهم بأسرع وقت ممكن إلى المدن المختلفة.

بوابات البنادق

وتشير معلومات ومقابلة ميدانية مع سائقين ومخلصين جمركيين وتجار إلى فوضى شاملة في الطرق القومية بالبلاد.

وبينت مقابلات بحسب “سودان تربيون ،مع سائقين وتجار مواد غذائية وتجار مواشي ينشطون في العمل على الطرق القومية، وعلى الحدود السودانية-المصرية والسودانية-التشادية، وبمحاذاة الحدود مع جنوب السودان، انتشار أكثر من 108 ارتكازات مسلحة تقوم بفرض جبايات ورسوم عبور على الشاحنات بمختلف أنواعها

كما اطلع الفريق على تحليل صور أقمار صناعية محدثة حتى يوليو 2026 لتتبع نقاط الاختناق البري، ومقاطعتها مع بيانات تتبع الشحن البحري عبر موانئ البحر الأحمر لتأصيل مسارات المقايضة البديلة ودفع الجبايات والإتاوات ورسوم العبور.

ومع مطلع النصف الثاني من عام 2026، وتلاشي فاعلية النظام المصرفي التقليدي وجفاف الموارد الضريبية المركزية في السودان، برز نظام مالي بديل شديد القسوة والسرية في ارتكازات المسلحين.

وتُظهر صور الأقمار الصناعية التي جرى تحليلها للفترة بين منتصف 2024 ويونيو 2026 تكاثرًا هندسيًا لنقاط الارتكاز على الممرات اللوجستية الحرجة.

ففي طريق شريان الشمال والشرق، طريق التحدي، طريق شندي-عطبرة، ومسارات بورتسودان-كسلا الخاضعة لسيطرة حركات مسلحة متحالفة مع الجيش وأجهزة نظامية وجد فريق التحقيق أنها تُفرض جبايات ورسوم عبور.

أما شريان الغرب والوسط، طريق بارا-الأبيض، مسارات الضعين-نيالا، ومعابر الفاشر-أم جرس الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع وميليشياتها، تفرض رسومًا تفاوتت قيمتها.

ووفقًا لشهادات متطابقة من سائقي شاحنات المسافات الطويلة (اللواري والشاحنات) الذين جرى الحديث معهم عبر الهاتف، فإن تسعيرة العبور في مناطق التماس تخضع لبورصة يومية تحددها طبيعة الشحنة والقوة العسكرية المسيطرة على البوابة.

وغربًا في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، تتراوح مبالغ الإتاوات بين 200 ألف جنيه حتى 2 مليون جنيه – 400 دولار تقريبًا.

ويؤكد السائق (ع) لـ”سودان تربيون” أنه في بعض الأحيان يُطلب من السائقين نسبة عينية من البضاعة المنقولة خاصة إن كانت مواد غذائية.

ويشير إلى أن الأرقام الفلكية للإتاوات تسببت في رفع أسعار السلع بشكل جنوني نظير ما يُدفع للمسلحين.

ويروي (ع) قصته مع عناصر الدعم السريع عندما كان قبل أكثر من شهر في طريقه لمنطقة قريبة من الأبيض لنقل مواد غذائية.

ويذكر أن الطرق القريبة أو المؤدية إلى مدينة الأبيض بشمال كردفان تعتبر شريانًا حيويًا لكنها تحوّلت إلى واحدة من أكثر المحطات كلفة ومخاطرة. وأكد أن كل تلك المناطق محاطة بارتكازات مكثفة ونقاط تفتيش متداخلة.

ويؤكد عدم وجود رسوم واضحة للعبور بين الارتكازات التي تفرض رسومًا عشوائية تكون عالية في بعض الأحيان بسبب تكدس البضائع وارتفاعها في الشاحنة.

وبجمع فريق التحقيق الخاص بـ “سودان تربيون” بيانات التحصيل من (22) نقطة ارتكاز رئيسية في شمال وشرق ووسط السودان ومطابقتها مع دفاتر حسابات غير رسمية لتجار في سوق “ليبيا- قندهار” بأم درمان وأسواق عطبرة- شندي- مروي- كريمة- دنقلا – القضارف- كسلا- بورتسودان، يُقدّر حجم الأموال السائلة (الكاش) المدارة خارج الدورة الاقتصادية الرسمية بما يقارب 600 مليون جنيه يوميًا- 130 ألف دولار تقريبًا- تجري جبايتها مباشرة من حركة البضائع، الوقود، والنازحين الفارين.

المقايضة وسلاسل الامداد

ولا يقتصر الأمر على الورق النقدي كضريبة للعبور الآمن، فالانهيار المستمر في القيمة الشرائية للجنيه السوداني دفع بأمراء الارتكازات إلى تأسيس نظام المقايضة السلعية العسكرية.

وتفرض الميليشيات والجماعات المسلحة المسيطرة على بعض مناطق التعدين العشوائي في نهر النيل، الشمالية، وجنوب كردفان “إتاوة عينية” بنسبة تتراوح بين 10% إلى 15% من خام الذهب المستخرج من قبل المعدّنين التقليديين وفق أبحاث أعدها فريق التحقيق.

وتشير معلومات ومتابعات فريق التحقيق إلى وجود روابط تعامل مع عدد من تجار الذهب في تلك المناطق والمسلحين الذين يقومون ببيع الذهب الخام المحصّل من المعدنين.

“بيزنس” دائم

تخلص الأدلة والشهادات التي جمعها هذا التحقيق أن شبكات الجبايات هذه لم تعد وسيلة مؤقتة لتغطية تكاليف الذخيرة والمرتبات للمقاتلين، بل تحولت إلى بنية اقتصادية قائمة بذاتها مستقلة عن استمرار الحرب أو توقفها.

ووفق ذلك، تضخمت ثروات القادة الميدانيين من الصف الثاني والثالث (أمراء البوابات) بشكل جعلهم يمتلكون عقارات، شركات نقل موازية، ومكاتب صرافة في دول الجوار.

هؤلاء القادة باتوا يمثلون مراكز قوى داخل فصائلهم، ويمارسون ضغوطًا حقيقية على السائقين وعملية النقل في طرق التجارة وفق تحليل فريق التحقيق.

ويقول سائق شاحنة نقل مواد غذائية “م. أ” ويعمل في عدة طرق مختلفة بالبلاد التقاه فريق التحقيق عبر الهاتف، إن الارتكاز الواحد يدر نحو 5 ملايين جنيه يوميًا.

مشارات تهريب موازية

كشفت البيانات والمعلومات التي جمعها فريق التحقيق من عدة مناطق بعضها في ولاية شمال الفاشر ومحيط الأبيض بشمال كردفان، عن ظهور مسارات ترابية موازية جديدة تمامًا تخترق الوديان والمناطق الوعرة.

هذه المسارات لم تصنعها الصدفة، بل شقتها شاحنات التهريب بالاتفاق مع الميليشيات المحلية للالتفاف على البوابات الرسمية، مما خلق نظام جبايات مزدوج.

كما أظهرت المتابعات احتراقًا كاملًا لأسواق معروفة وأخرى ريفية تاريخية على طول طرق التجارة، واستبدالها بـ “أسواق كاش ومقايضة مستحدثة” تُباع فيها البضائع المنهوبة أو المهربة تحت حماية السلاح المباشر، ما يرسخ عملية إعادة الهندسة الديمغرافية والاقتصادية لخطوط التجارة السودانية.

جرت تلك العمليات الجبائية في الخرطوم نفسها خلال العامين الأولين للحرب في الخرطوم بمنطقة السوق المركزي وبحري بما عرف بسوق “دقلو في الحاج يوسف محطة 24، وأم درمان بسوق صابرين.

وحتى هذا الوقت وجد فريق التحقيق عدة أسواق تعمل في بيع واستبدال المنهوبات، فيما تنشط ارتكازات بجوارها خاصة قبالة سوق 6 بمنطقة الحاج يوسف، وأخرى بطريق دنقلا

مع ذلك، تظهر البيانات تفاوتًا في الجهات المسيطرة وطبيعة الجباية المفروضة على حركة الشاحنات عبر المسارات المختلفة. فبينما تخضع سيطرة محور “الدبة – الفاشر” للحركات المسلحة والارتكازات المشتركة.

وقبل دخول الجيش لولاية الجزيرة كانت قوات الدعم السريع تُسيطر على طريق “الخرطوم – مدني”، في حين يُدار معبر الجبايات حتى حدود جنوب السودان بوساطة تجار حرب وميليشيات محلية مشتركة.

آليات الدفع

وتختلف رسوم العبور المقتطعة باختلاف المسار وآلية الدفع إذ تتراوح قيمة الجباية للشاحنة الواحدة في محور “الدبة – الفاشر” بين 1,200 و2,000 جنيه تُدفع نقدًا أو عينًا بالوقود، بينما تسجل في طريق “الخرطوم – مدني” ما بين 800 و1,500 جنيه نقدًا أو عبر التحويلات البنكية بالهاتف.

وعلى النقيض من ذلك، يعتمد معبر التنازل نظام النسبة المئوية التي تتراوح بين 5% إلى 8% من إجمالي قيمة البضائع أو الماشية المارة وغالبًا ما تستخدم تلك الطريقة في إقاليم كردفان ودارفور وفق شهادات جمعها التحقيق.

أما من حيث الكثافة والعوائد المالية اليومية، فيسجل معبر التنازل وفق الشهادات أعلى حركة عبور تقديرية بنحو 150 شاحنة وعدد يقدره حراس الارتكازات من رؤوس الماشية يوميًا، مما يحقق أعلى إيراد يومي تقديري بواقع 110 ملايين جنيه.

يلي ذلك طريق “الخرطوم – مدني” بحجم حركة بين 80 و100 شاحنة وإيراد يومي يُقدر بـ 92 مليون جنيه، ثم محور “الدبة – الفاشر” بحركة تتراوح بين 40 و60 شاحنة وإيرادات يومية تصل إلى 80 مليون جنيه سوداني.

الجدار المسدود

ويرى التجار والسائقون بحسب ”سودان تربيون” أن إنهاء الحرب في السودان لم يعد معلقًا فقط بقرار سياسي من قيادتي الجيش أو الدعم السريع، بل بات مصطدمًا بـ “كارتيل اقتصاد الظل”، شبكة هلامية متغلغلة من أمراء البوابات، وتجار الترانزيت، والمهربين العابرين للحدود الذين يقتاتون على غياب الدولة.

ويعتقدون أنه طالما ظلت هذه الجسور الموازية تضخ الكاش والذهب في جيوب حراسها، فإن الحرب تمتلك وقودها الذاتي للاستمرار لسنوات أخرى قادمة.

المصدر/ سودان تربيون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى