المقالات

رحيل محمد طاهر إيلا.. سكون البحر ونقاء القائد

متابعات | تسامح نيوز 

رحيل محمد طاهر إيلا.. سكون البحر ونقاء القائد

د. الشاذلي عبداللطيف

رحل اليوم رجل من طينةٍ نادرة، حمل على كتفيه همّ الوطن وسار به بصمتٍ وحكمةٍ وثبات. غاب الدكتور محمد طاهر إيلا عن دنيانا، لكن اسمه باقٍ في وجدان كل من عرفه، وكل من رأى في عينيه ذلك الهدوء العميق الذي يشبه البحر الذي أحبه، والصلابة التي تشبه صخور الشرق التي أنجبته.

كان محمد طاهر إيلا رجل دولةٍ لا يرفع صوته، بل يرفع مستوى العمل. إداريًّا بالفطرة، وسياسيًّا بالعقل لا بالعاطفة. حين تولى ولاية البحر الأحمر، جعل من بورتسودان بوابةً مشرقةً على البحر وعلى العالم. أعاد للمدينة روحها، نظّم مهرجاناتها، بنى أرصفتها، وأحيا فيها فكرة أن التنمية يمكن أن تُرى وتُلمس لا أن تُقال فقط.

رحيل محمد طاهر إيلا.. سكون البحر ونقاء القائد

وفي الجزيرة ترك بصمةً لا تُمحى؛ أعاد الانضباط إلى الإدارة، وبث روح العمل في مؤسساتٍ كانت قد أصابها الركود. لم يكن يؤمن بالشعارات، بل بالمشروعات التي تخلق الفرق في حياة الناس. كان يكره الجدل العقيم ويحب النتائج الملموسة، يخطط بعقلٍ اقتصاديٍّ ويدير بعين الميداني الذي يعرف أين توضع اللبنة الأولى.

عرفه الناس في شرق السودان رمزًا للكرامة والعزة، وكان قريبًا منهم لا يفصل بينه وبينهم حاجب ولا حرس. إذا تحدث، تحدث بصدقٍ وهدوء، وإذا وعد وفى، وإذا واجه أزمةً واجهها بعقلٍ راجحٍ لا بانفعالٍ عابر. كان صادق النية، نقيّ السريرة، وطنيًّا لا تشتريه المناصب ولا تغريه الأضواء.

حين تولى رئاسة الوزراء، جاء في لحظةٍ صعبةٍ من عمر الوطن، لكنه حافظ على توازنه وسط العاصفة. لم يكن يبحث عن مجدٍ شخصيٍّ، بل عن فرصةٍ لترميم ما تصدّع من مؤسسات الدولة. آمن أن الإدارة فنّ الممكن، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، من القيم والممارسات اليومية لا من الخطابات.

رحيل محمد طاهر إيلا.. سكون البحر ونقاء القائد

في حياته الخاصة، كان بسيطًا كأرضه، لطيفًا كنسمة البحر الأحمر، متواضعًا إلى حدٍّ يثير الإعجاب. يحب الجلسات الهادئة، يقرأ في التاريخ، ويصغي أكثر مما يتحدث. وفي كل موقعٍ عمل فيه، ترك ذكرى حسنة وأثرًا لا يُمحى.

رحل محمد طاهر إيلا، لكن سيرته تبقى درسًا في الإدارة والسياسة والإنسانية. سيبقى مثالًا للرجل الذي خدم وطنه دون أن يرفع صوته، وعمل بصمتٍ دون أن يطلب تصفيقًا. رحمك الله يا ابن الشرق، يا من جمعت الحزم بالرفق، والعقل بالقلب، والوطنية بالحياء.

نم قرير العين أيها القبطان الذي عرف طريقه وسط أمواجٍ مضطربة، وسار بسفينته بثقةٍ وهدوءٍ حتى آخر لحظة. سيذكرك السودان كما تذكُر الأم أبناءها البررة، وسيبقى اسمك محفورًا في ذاكرة الأوفياء الذين يعلمون أن الرجال لا يُقاسون بالمناصب، بل بما يتركونه من أثرٍ خالدٍ في وجدان الوطن.

رحل القائد، وسكن البحر، وعمّ الحزن كل السودان.

برحيل الدكتور محمد طاهر إيلا، لا تفقد البلاد رجل دولةٍ فحسب، بل تفقد رمزًا للوطنية الصافية والإدارة الرشيدة، وعنوانًا للنزاهة والاتزان، وصوتًا نادرًا ظلّ يمثل الشرق بكل كبريائه وصفائه، والسودان كله بعقله وقلبه وخلقه.

أتقدم بأحرّ التعازي والمواساة إلى شعب السودان قاطبةً، وإلى أهل الشرق الكرام — قبائل البجا، والهدندوة، والأمرار، والبني عامر، والحلنقة، وكل من جمعهم تراب الشرق وبحره وسهوله — في هذا المصاب الجلل الذي هزّ وجدان الأمة.

إن رحيل إيلا ليس فقدًا لأسرةٍ أو قبيلةٍ أو إقليمٍ بعينه، بل هو فَقْدٌ للوطن بأسره، الذي عرف فيه معنى العمل بصمت، والإخلاص بلا ضجيج، والعطاء بلا مقابل. كان ابن الشرق، لكنه في جوهره ابن السودان الكبير، يراه الناس في كل ولايةٍ مصلحًا ومحبًّا للوطن، يحمل هموم الجميع بلا تفرقة.

نسأل الله أن يتغمده برحمته الواسعة، وأن يجزيه عن وطنه وأهله خير الجزاء، وأن يُلهم السودان الصبر، ويجعل من سيرته مشعلًا يضيء دروب القادة القادمين.

اللهم اجعل قبره نورًا، وذكراه بقاءً، وعمله صدقةً جاريةً في ميزان حسناته.

رحم الله محمد طاهر إيلا، وجبر الله قلوب أهله وأحبابه، وأكرم السودان بأن يظل ولّادًا بالرجال الذين يتركون وراءهم الأثر الطيب والذكر الجميل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى