
متابعات | تسامح نيوز
في أوقات الحروب، تؤكد فلسفة التاريخ أن الميدان هو المُبتدأ و الخبر، و أن السياسة ليست سوى رجع صدى لما يتقرر فوق التراب عبر فوهة البندقية.
عندما لامست جبهة رئيس مجلس السيادة و القائد العام، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أرض كردفان ساجداً فور وصوله، كانت لحظة امتنان و رسالة حاسمة أجهضت شائعات الهدن المشبوهة، و أحبطت المزايدين على استقلالية القرار الوطني و مصير السودانيين.
لقد رسمت هذه السجدة حداً فاصلاً بين الإملاءات الخارجية التي يحاول البعض تسويقها بثوب استعماري جديد، و بين الزحف المقدس الذي يضع معالم مشروع التحرير الوطني بلا مساومة، ممتداً حتى “أم دافوق”.
أثبتت التجارب أن القوة هي من يكتب المصير السياسي، فالخارج لا يحترم الضعفاء، و حسابات القوى الإقليمية و الدولية تُبنى دائماً على حقائق الميدان.
إن التمدد العسكري للجيش في كردفان لم يحمِ العاصمة فحسب، بل نزع عن المليشيا ورقة الابتزاز التي حاولت استخدامها كجسر للعودة إلى مركز القرار من الأبواب الخلفية. كما أن تحرير المناطق الاستراتيجية منح الخرطوم المنهكة نفساً جديداً، وفتح نوافذ الأمل بالنهوض من تحت ركام الحرب لتستعيد مكانتها كمركز للقرار السياسي والاقتصادي.
و بما أن الانتصارات العسكرية هي “رأس مال وطني” يمنح فرصة نادرة لإعادة البناء، فإن الميدان القوي لا يمكن أن يحميه خط خلفي هش. لذا، فإن أول استحقاقات هذا النصر هو إصلاح الجهاز التنفيذي و إنهاء حقبة الفشل الإداري التي يقودها الدكتور “كامل إدريس”؛ فانتصار البندقية في الجبهات يظل مهدداً ما لم تحرسه إرادة سياسية و تنفيذية ترتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية.
و لكي تُترجم هذه الفتوحات إلى واقع اقتصادي و اجتماعي مستدام، غدا الإصلاح الداخلي ضرورة لا تقبل التأجيل، و ذلك عبر تغيير تنفيذي شامل ينهي حالة الفشل التي تعيشها الحكومة الحالية.
إن حالة الاحتقان الشعبي والإحباط التي تواجه المواطنين والعائدين إلى ديارهم تتطلب مراجعة جادة للنمط الإداري القائم؛ إذ لا يمكن الاستمرار بطاقم إداري يفتقر إلى الحيوية و يقف عاجزاً أمام تطلعات الشارع.
كما أن عودة رأس المال الوطني ومساهمته في معركة الإعمار مرهونة بإنهاء العقبات البيروقراطية وتفكيك شبكات الفساد، ليكون الاقتصاد سنداً حقيقياً للبطولات التي تُسطر في الميدان.
و كما اتخذ فخامة الرئيس “البرهان” القرار بالزحف لاستعادة الأرض المغتصبة، فإن الواجب الوطني يحتم عليه اليوم تحرير المؤسسات من عبء هذا الأداء التنفيذي المأزوم، والمضي بخطى واثقة نحو تشكيل حكومة برئاسة شخصية من رحم القضية الوطنية، تفهم أبعاد الأزمة السودانية و تحدياتها، بعيداً عن النخب المغتربة فكرياً ومنهجياً عن واقع الشعب السوداني.
محبتي و احترامي





