
متابعات | تسامح نيوز
1
في الشرق الأوسط كثيرٌ من الدول تملك المال، وبعضها يملك القوة العسكرية، لكن قطر تملك ما هو أصعب: القدرة على إدارة الأزمات المتنوعة وبحكمة تشبه حكمة اهل الدوحة في كل شؤنهم..
في صيف 2017، عندما أُعلن الحصار على الدوحة، كنتُ وقتها في إدارة تحرير صحيفة لوسيل القطرية الاقتصادية، وكنت أحاول أن أفهم كيف تعمل ماكينة الدولة الإعلامية والسياسية تحت ضغط غير مسبوق. كان المشهد لافتًا: خطاب إعلامي منضبط، ورسائل سياسية محسوبة، ودبلوماسية تتحرك في كل الاتجاهات بهدوء وثقة.
كان هناك دائمًا عقلٌ مركزي يقف وراء كل تفصيلة، وكل تصريح، وكل تغطية وتقرير. وكان الخط الإعلامي متناغمًا يعمل عبر كل الوسائط مثل أوركسترا بيتهوفن: لا نشاز، لا تهريج، لا كلام خارج الخط.
كان ذلك بالنسبة لي مدهشًا، والبلد في خضم أزمة عاصفة. لكن أكثر ما أدهشني هو الطريقة العبقرية التي عملت بها الدبلوماسية القطرية وقتها. ومنذ ذلك الحين ظللت أراقب طرائق عملها وقدرتها على العمل في شتى الظروف؛ نموذجًا لدبلوماسية تعمل حتى تحت القصف.
2
أول ما يجب ملاحظته في استراتيجيات الدبلوماسية القطرية أنها لم تولد صدفة، بل جاءت جزءًا من تصور استراتيجي أوسع عبّرت عنه رؤية قطر الوطنية 2030.
هذه الرؤية وضعت منذ سنوات إطارًا واضحًا لدور قطر في العالم، يقوم على بناء دولة حديثة قادرة على المساهمة في الاستقرار الإقليمي والدولي. وتؤكد الرؤية أن قطر تسعى إلى تعزيز دورها الإقليمي والدولي عبر الدبلوماسية الفاعلة، والوساطة في النزاعات، ودعم السلام والاستقرار، انطلاقًا من إيمانٍ بأن أمن الدول لا يتحقق بالقوة وحدها، بل عبر شبكة واسعة من العلاقات الدولية والحوار السياسي. ثلاثة عوامل أسست لهذا الوضع المميز للدبلوماسية القطرية عالميًا.
3
العامل الأول هو أن الدبلوماسية القطرية تحولت إلى مؤسسة كاملة، لا مجرد مبادرات ظرفية. فقد بنت وزارة الخارجية القطرية خلال السنوات الماضية شبكة علاقات دولية واسعة، وراكمت خبرة عملية في الوساطات المعقدة، عبر الانخراط في عدة نزاعات وفي مناطق جغرافية مختلفة.
ففي آسيا امتدت وساطة الدوحة بين الولايات المتحدة وطالبان، وفي الشرق الأوسط لعبت دور الوسيط بين حماس وإسرائيل عبر الوسطاء، وفي أفريقيا امتدت يد قطر إلى نزاعات الكونغو، وقبلها في السودان والصومال وتشاد وغيرها.
والآن، وحتى وهي تحت القصف، تصر قطر على التمسك باستراتيجيتها. فقد أكد رئيس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أمس أن «الحوار هو الطريق الوحيد لتجنب الصراعات في المنطقة»، مشددًا على أن الدبلوماسية تبقى السبيل الوحيد الممكن للخروج من الأزمات، داعيًا إلى وقف التصعيد والعودة إلى المفاوضات هذه التصريحات ليست مجرد خطاب سياسي لحظي، بل تعبير عن تحركات دبلوماسية تقوم على استراتيجية ثابتة تفتح قنوات التفاوض حتى في أحلك اللحظات.
4
العامل الثاني يكمن في فعالية الدبلوماسية القطرية وقدرتها الفائقة على التواصل مع الجميع. ففي الوقت الذي كانت فيه كثير من العواصم تختار الانحياز لمعسكر واحد، حافظت الدوحة على قنوات مفتوحة مع أطراف متناقضة: واشنطن وطهران، حماس وإسرائيل عبر الوسطاء، طالبان والولايات المتحدة.
هذا النمط من الدبلماسية جعل قطر في موقع فريد؛ دولة قادرة دائمًا على مد الجسور بين خصوم لا يثق بعضهم في بعض.
5
أما العامل الثالث فهو القدرة على العمل تحت الضغط. فالدبلوماسية القطرية لم تتشكل في ظروف مريحة. فقد واجهت قطر حصارًا إقليميًا استمر سنوات، ومع ذلك لم تتراجع الدوحة عن دور الوسيط. بل على العكس، دفعتها تلك الضغوط إلى تطوير نموذج سياسي ودبلوماسي مرن، أكثر قدرة على التكيف مع الأزمات.
6
وفي خضم التصعيد الحالي، أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية القطرية الدكتور ماجد الأنصاري أن قطر امس أن قنوات التواصل مع جميع الأطراف لم تنقطع وقال الأنصاري إن قطر تواصل العمل مع شركائها الدوليين لخفض التصعيد، مؤكدًا أن الحل لا يمكن أن يكون عسكريًا، بل عبر المفاوضات وفي إشارة إلى حجم الاتصالات الدولية مع الدوحة، أوضح أن أمير قطر تلقى مئات الاتصالات من قادة دول خلال الأزمة، في مؤشر واضح على حجم الثقة الدولية في الدور الذي تلعبه قطر في إدارة الأزمات ومحاولة احتوائها دبلوماسيًا.
7
ولهذا، حين تشتد الأزمات في المنطقة، يتجه كثيرون إلى الدوحة. ليس لأن قطر دولة كبرى بالمعنى التقليدي للقوة، بل لأنها بنت لنفسها موقعًا فريدًا في النظام الدولي: دولة قادرة على الحديث مع الجميع مهما بلغت تناقضاتهم. وهي تكاد اليوم الدولة الوحيدة الان التي تقود، بإلحاح، الجهود للوصول إلى حل دبلوماسي، لأنها تعتقد أن أي خيار آخر سيقود المنطقة إلى مزيد من الكوارث وفي عالم تزداد فيه الحروب وتضيق فيه مساحات الحوار، تصبح قيمة هذا الدور أكبر من أي وقت مضى. فالدبلوماسية القطرية اليوم تعمل وفق مبدأ بسيط: عندما تتحدث المدافع يجب ألا تصمت الدبلوماسية ولهذا تواصل الدوحة فعل الشيء الذي تجيده أكثر من غيرها: إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، حتى وهي نفسها تحت القصف ولهذا تواصل الدوحة فعل الشيء الذي تجيده أكثر من غيرها: إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، حتى وهي نفسها تحت القصف تلك هي الحكمة القطرية في أبهى تجلياتها:
«ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرً.





