
عذرًا أيها البشير خذلك الأقربون وبقيت أنت شامخًا في محبسك
كتب – عوض الكريم إبراهيم محمد
ذهبتُ إلى الرئيس عمر حسن أحمد البشير في محبسه، وكنت أحمل في صدري خليطًا من المشاعر والخواطر المتشابكة. كنت أتساءل: كيف حاله بعد كل ما جرى؟ هل غيّرت الأحداث ملامحه التي عهدناها يوم كان على رأس الدولة؟ وكيف يرى السودان بعد أن تبدلت الأحوال وتبددت الأحلام؟

ولكن ما إن دخلت عليه حتى تبددت كل تلك التساؤلات، وحلّ محلها شعورٌ عميق بالفخر والثقة. رأيت أمامي ذات البشير الذي عرفناه قائدًا وزعيمًا، الملامح نفسها، الابتسامة ذاتها، الشخصية القوية التي لا تعرف الانكسار.
رغم الجدران والقيود، كان أكثر حضورًا من كثيرين خارج السجون. تحدث إلينا حديث الواثق بربه وبشعبه، بذاكرةٍ حاضرة وتفاصيل دقيقة، وكأن الأحداث لا تزال تجري أمامه لحظةً بلحظة. وجدناه مؤمنًا بالله، مطمئن النفس، يتحدث عن السودان وكأنه لا يزال يقود سفينته.
قالها بيقين القائد المؤمن:
“الغد أفضل، والتمرد إلى زوال، والعملاء لا وطن لهم في السودان.”
حينها أدركتُ أن هذا الرجل لم تهزمه المحاكم، ولا قسوة الزنزانة، ولا حملات التشويه. فهو ما زال يؤمن بالسودان، ويثق في جيشه وشعبه.
تحدث بإعجابٍ عن الجيش السوداني — قيادةً وجنودًا — واصفًا إياه بأنه السند الحقيقي للوطن، وأن شبابه القابضين على جمر القضية هم الذين أفشلوا مخططات دويلة الشر، وصانوا ما تبقى من كرامة السودان في زمنٍ تكاثرت فيه الخيانات.
وخلال حديثه، وجدت نفسي أردد في داخلي سؤالًا موجعًا:
هل يُخَان مثل هذا الرجل؟
هل يُطعن من ظهره من أقرب الناس إليه، ممن رباهم على الوفاء والإخلاص، وعلمهم معنى المسؤولية والوطنية؟

لكنهم خانوه، وسقطوا في امتحان الصدق والمصداقية. خانوا المبدأ من أجل الكرسي، وباعوا المشروع الذي جمعهم، فكانت النتيجة وطنًا تمزقه الحروب، وتنهشه الأزمات، ويتجرع أهله مرارة النزوح والدمار وانعدام الأمن.
لقد كان البشير يرى بعين البصيرة ما لا يرونه هم بعين البصر. كان يعرف حجم التآمر، ويدرك ما يُحاك ضد السودان، بينما انشغلوا هم بالسلطة والمغانم. فكانت النتيجة كما نراها اليوم: واقعًا مريرًا، وطنًا جريحًا، وشعبًا يبحث عن الأمان الذي ضاع يوم خان القريب القريب.
وفي محبسه، لم يكن البشير وحده. كان حوله نفرٌ كريم من رفقاء الدرب: الفريق أول بكري حسن صالح، والفريق عبد الرحيم محمد حسين، ويوسف “رامبو” — رجالٌ بقوا على العهد، صادقين أوفياء، سواء كانوا على البلاط أو في العرين أو بين جدران السجن.
إنهم أسود السودان الذين لا تنكسر هممهم، لأنهم آمنوا أن الرجال مواقف لا مناصب، وأن العزة لا تزول بزوال الحكم.
خرجتُ من تلك الزيارة وأنا أكثر يقينًا بأن الزمن لا يُسقط الرجال الصادقين، بل يختبر معادنهم.
خرجتُ مؤمنًا أن من خُذل في الدنيا بالبهتان سيُرفع ذكره بالحق، وأن من خان اليوم سيتوارى غدًا في مزابل التاريخ.
عذرًا أيها البشير،
لقد خذلك الأقربون، ولكنك لم تُهزم.
بقيت شامخًا في محبسك، مؤمنًا بوطنك، مطمئنًا إلى قضيتك.
وسيبقى التاريخ شاهدًا أنك لم تساوم على السودان، ولم تفرّط في كرامته.
وستظل صورتك في ذاكرة الشعب — صورة القائد الثابت حين تهاوى الآخرون، وصوت المؤمن الواثق حين خرس الخائفون.
فكم من رجلٍ سُجن جسده، لكن فكره ظل حرًّا، وروحه ظلت تُلهم الأجيال.
ذلك أنت، يا عمر حسن أحمد البشير.
الدرس المستفاد
إن التجربة التي نعيشها اليوم تفرض علينا أن نُعيد النظر في معاني الوفاء والولاء. فالقيادة ليست منصبًا، والمبدأ لا يُباع حين تشتد الرياح. خذلان الأقربين لا يسقط الرجال، لكنه يكشف من كانوا رجالًا حقًا ومن كانوا مجرد عابرين في موكب المصلحة.
ولعل ما يحدث في السودان اليوم يؤكد أن الأوطان لا تبنى بالخيانة ولا تُصان بالعمالة، بل بالصدق والإخلاص والوفاء للمبدأ.
وستبقى الأيام تفرز الصادقين من المتلونين، كما تفرز النار الذهب من التراب.
وفي نهاية هذا المسير من التأمل والاعتبار، نقول:
قد يختلف الناس حول الزعيم، وقد تتباين الرؤى بين مؤيدٍ وناقد، ولكن يبقى الثبات في وجه العاصفة قيمة لا ينكرها إلا جاحد. لقد وقف الرئيس عمر حسن أحمد البشير ثابتًا في محبسه، صابرًا محتسبًا، وواجه ما لم يحتمله كثيرون، فلم تضعف له همة، ولم يترنح له موقف.
وإننا — من موقع الوفاء لا التقديس — ندعو الله تعالى أن يفرّج كربه، ويُعلي مقامه، ويخرجه من معتقله سالمًا معافى، ثابت القلب، قوي العزيمة، وأن يُعيده إلى أهله ووطنه بعزّة وكرامة، وأن يجعل ما أصابه كفّارةً ورفعةً، ويكتب له أجر الصبر والثبات على المبدأ.
اللهم إنك تعلم ما في القلوب، وتعلم صدق من أحب وطنه وأخلص له، فالطف بعبدك عمر البشير، واحفظه بحفظك، ورده إلى أهله وأمته ردًّا جميلاً، وأبدل محنته منحة، وضع في ميزان صبره أجر الصادقين.
ويبقى السودان — بعزيمة أبنائه الأوفياء — وطنًا لا يُكسر، ولا يُباع، ولا يُستباح.
سلامٌ على كل من حمل همَّه بإخلاص، وسلامٌ على من بقي شامخًا رغم الجراح.





